الثلاثاء. نوفمبر 29th, 2022
حلمي الأسمر

الإبحار في العقل الصهيوني، سواء كان يساريا أو يمينيا، يوصلك إلى نتيجة قاطعة مفادها أن فلسطين لا تحتمل شعبين، ولا حل أبدا للصراع إلا برحيل الصهاينة عن بكرة أبيهم عن فلسطين، كل فلسطين، وهو يوم آت بلا شك، وإن تأخر قليلا.

في عمر الدول مائة عام أو سبعون ونيف لا تساوي شيئا، هاجس “الخطر الوجودي” لم يغب يوما عن العقل الجمعي الصهيوني. لا يتحدث الأمريكي أو البريطاني أو المصري أو العراقي عن زوال دولته، أو مستقبلها الغامض. لا توجد دولة على ظهر البسيطة يتحدث أبناؤها عن حالة عدم اليقين من المستقبل، فقط في “إسرائيل” يفعلون هذا، رغم العُلو الكبير الذي يتمتعون به اليوم.

حالة التوحش اليومي التي يعاملون فيها الفلسطيني، من حيث القتل أو الإعدامات الميدانية، أو مصادرة الأراضي ومحاولة تهويدها، والمحاكمات والاعتقالات؛ تخبئ في أعماقها خوفا متمكنا بلا حدود في وعيهم ولا وعيهم من صاحب الأرض؛ الذي يذكرهم في كل لحظة بأنهم مجرد غرباء، عابرين، طال الزمن أو قصر.

من يتابع ما يكتبه كتّابهم، يعرف تماما مغزى هذا الكلام، حتى رئيس وزرائهم السابق، نتنياهو، الذي كرس حياته كلها لمحاولة “دفن” القضية الفلسطينية، لم يغب يوما عن ذهنه هذا الهاجس. على مدار سنوات راقبت تصريحات هذا الصهيوني، خاصة في ما يتعلق بالجانب الأكثر أهمية وخطورة، وهو القلق من مستقبل وجود كيانه، وبوسعي القول وأنا مرتاح تماما؛ أن هذا الكائن يشغله بشكل جدي مستقبل هذا الكيان، ولا يصرح عادة في ما يدور بينه وبين نفسه بكل ما يشعر، وبالطبع ما يدور في نفوس كثيرين من “سكان” هذا الكيان الطارئ، وإن كانت طريقة التعبير عن هذه “الهواجس” تختلف من شخص لآخر.

أكثر التصريحات تعبيرا عن هذه الهواجس جاءت في سياق جلسة دينية مغلقة في بيت نتنياهو، ولم تكد تسترعي انتباه الكثيرين، وقد لاحظت شيئا عجيبا حينها، إذ تم شطب الخبر الخاص بهذه التصريحات من موقع “إسرائيلي” يبث باللغة العربية، بعد نشره بفترة. وقبل الشطب لاحظت أن الموقع حاول أن يلتف على التصريحات، و”يفسرها” بطريقة ملتوية توحي بأن قلق نتنياهو ليس حقيقيا، وأن تصريحاته نقلت بطريقة ليست دقيقة(!)، كما هي العادة لدى الساسة حين يتورطون في قول كلام ثم يضطرون للتراجع عنه، ثم ما لبث الموقع أن أزال الخبر كله، مع تبريراته، في العرف الصحفي.

حينما تزيل خبرا، فهذا يعني أنك لا تريد لقارئك أن يعرف شيئا عنه، والأكثر أهمية أنت تعتقد أنه “يسيء” لك أكثر مما يفيد، لذا فمن الأفضل “دفن” القصة، وعدم إثارتها بالكامل. وهذا ما حصل مع الموقع حيث انتزع الخبر من جذوره، وإن كان بحث غوغل كان حتى وقت ما يحتفظ برابط الخبر قبل إزالته، وحين تحاول الدخول إليه يقول لك الموقع: الصفحة غير موجودة. وكنت جربت الدخول في حينه ووجدت أن الصفحة أزيلت تماما، رغم أن صيغة السؤال والخبر بالكامل حاولت أن تقنع القارئ العربي بأن نتنياهو لم يتنبأ بزوال “إسرائيل”. والحقيقة أنه فعل، فمجرد التفكير في هذا الأمر، تصريحا أو تلميحا، يعني أن هاجسك الداخلي يقول لك هذا، حتى لو كذبت على نفسك وعلى الآخرين.

والحقيقة أن أحدا من زعماء العالم لا يمكن أن يتحدث عن زوال “دولته”، إلا إذا كان هذا فعلا ما يشغل باله، أو حتى ما هو متيقن منه. هل سمعتم زعماء فرنسا أو البرتغال أو جزر القمر، أو توغو، أو “أهمل” دولة في المحيط الهادي، يتحدث عن إمكانية زوال دولته مثلا؟ هذا لا يحدث عادة، إلا إذا كانت مخاوفه حقيقية، ومستقرة في أعمق أعماقه.

ولو عدنا لسنوات حكم هذا النتنياهو لرصدنا تصريحات مشابهة، وإن كانت أقل تصريحا. فقد رصدت قوله غير مرة بأن “أعداء إسرائيل” يريدون إزالتها، وتساءل مرات عدة، خاصة بعد وقوع عمليات فدائية موجعة، قائلا؛ إنه لا توجد لدينا بلاد غير هذه البلاد نذهب إليها. إن طرح سؤال الوجود من حيث المبدأ يعني أن وجودك ليس مسلّما به، وهذا ما صرح به أخيرا.

ماذا قال نتنياهو في تلك الجلسة المعلقة في بيته؟ قال؛ “إن مملكة الحشمونائيم نجت فقط 80 عاما”، وأنه يعمل على ضمان أن “إسرائيل” سوف تنجح هذه المرة بالوصول إلى 100 سنة. ووفق مؤرخي “إسرائيل”، فإن المملكة الحشمونية (هشمونائيم) كانت دولة يهودية عاشت 77 عاما، وكانت نهايتها مع غزو المنطقة من قبل الإمبراطورية الرومانية.

وحسب من حضر الجلسة، فإن ما قيل لفت انتباه الحضور. ونقلت صحيفة “هآرتس” عن مشارك بالندوة قوله عن أبرز تصريحات رئيس الحكومة آنذاك: “قال نتنياهو؛ إن وجودنا ليس بديهيا، وأنه سيبذل كل ما في وسعه للدفاع عن الدولة”. وأضاف: “المملكة الحشمونية” دامت 80 عاما وإن علينا بدولة “إسرائيل” أن نتخطى ونمر من هذه الفترة.

والحقيقة أن الخطر الوجودي الفعلي الذي يهدد “إسرائيل” هو “إسرائيل” نفسها، فعلى حد تعبير الكاتب”الإسرائيلي” ب. ميخائيل، فالمتدينون القوميون (الذين يحكمون قبضتهم على مفاصل الدولة الصهيونية اليوم)، لا يكفيهم طرد العرب ووضع اليهود مكانهم. بالنسبة لهم هذه فقط هي المرحلة الأولى. المرحلة الثانية هي التهويد الخفيف، وبعد ذلك ستأتي مرحلة تحويل اليهود إلى “أصوليين قوميين”.

هكذا بالتدريج، فقط “بالوسائل اللطيفة”. “بالطبع سيكون لنا دونم آخر تم تهويده وعنزة توراتية أخرى، إلى أن يتم استكمال تأسيس دولة ثيوقراطية ظلامية تكره الأجانب وعنصرية ووثنية ومليئة بصناعة الموت”، إلى أن يقول؛ إن “هذا بالضبط هو التهديد النووي التوراتي. وهو تهديد أخطر بسبعة أضعاف من التهديد النووي الإيراني “الفزاعي”. ثورة “توراتية” متواصلة، لا تعرف الحدود ولا تعرف الشبع وتعد فقط بالحرب المقدسة اللانهائية من أجل السماء، حتى التدمير الكامل وحتى التفكك الكامل وحتى النهاية”.

أخيرا..

يقول المفكر المصري عبد الوهاب المسيري؛ “إن إسرائيل ستواصل التقهقر، وإن المقاومة الفلسطينية ستنهكها إلى أقصى حد حتى وإن لم تتمكن من هزيمتها، مما سيجعلها مرشحة للانهيار خلال بضعة عقود؛ لأن الدورات التاريخية أصبحت الآن أكثر سرعة مما مضى”.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتويات تحت الحماية

من النظام الداخلي لحركتنا فتح

القواعد والأسس التنظيمية

مقدمة هيكل البناء الثوري

هذا… أولا…؟
من أجل فلسطيننا الغالية
من أجل الثورة لتحرير أرضنا السليبة
وحتى يشرق فجر الكرامة الذي تاه في ليل النكبة الطويل.
انطلقت حركتك…
تدرك طريقها .. وتسلك منهجا ثوريا بناء يرسي دعائم العمل الثوري على أسس علمية واعية وبروح إيجابية خلاقة وفاعلة واستراتيجية ثورية موحدة.
وبعيدا عن العاطفة الساذجة والجمال العابر والنفورات العارضة، بعيدا عن السلبية والارتجال والتخبط والفوضى.
تضع الحركة بين يديك…