الأحد. ديسمبر 4th, 2022

كتبت: علياء أسامة أيوب
فى السياسة لا لغة تعلو فوق لغة القوة فهى السبيل الوحيد لفرض الإرادة وتحقيق المصالح وبالتالى اكتساب المكانة على الساحة الدولية.

وفى نظام عالمي شاخ وأوشكت صلاحيته على الانتهاء تبدو الفرصة مهيأة لروسيا لحصد مكاسب ما زرعته طوال السنوات الماضية وتقديم نفسها كبديل مستحق للولايات المتحدة التى قرر رئيساها الأخيران ودونما اتفاق الانكفاء على الشئون الداخلية فرفع الجمهورى دونالد ترامب شعار أمريكا أولا وفشل الديمقراطي جو بايدن فى استعادة المكانة الدولية التي فقدت بريقها بفعل سياساته المترددة والمرتبكة فى أغلب الأحيان.

وانطلاقا من هذا السياق الدولى الذى يمكن أن نضيف إليه غياب الدور الأوروبي بعد رحيل المستشارة الألمانية المخضرمة أنجيلا ميركل وفشل المحاولات المتكررة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فى لعب دور بارز دوليا وقيادة القارة العجوز.. انطلاقا من هذا السياق يمكن أن نبدأ في تحليل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا والتى بالغ البعض فى اعتبارها الشرارة لانطلاق حرب عالمية ثالثة لا يبدو أنها ستندلع فعلا.

الدعاية الغربية وفشل المحادثات
وبعيدا عن الدعاية الغربية المناهضة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووصلت إلى تشبيهه بالزعيم النازى ادولف هتلر وأشعلت هيستريا الحرب على مدار الأشهر الماضية التى فشلت خلالها المفاوضات الروسية والغربية بسبب ما اعتبرته موسكو تجاهلا لمخاوفها الأمنية المشروعة خاصة فيما يتعلق بالحديث عن انضمام أوكرانيا لحلف شمال الأطلنطي (ناتو) وفى ظل إصرار الغرب أيضا على إنهاء مشروع “السيل الشمالى نورد ستريم” لنقل الغاز الروسى إلى ألمانيا وهو المشروع الذي تمسكت به ميركل رغم اعتراضات أمريكا وأوروبا ويمكن اعتباره المحرك الرئيسي للأزمة الحالية.

وطوال الفترة الماضية أكدت روسيا مرارا على أنها لا تسعى للحرب قبل أن تتطور الأحداث الخميس الماضي بوقوع بعض المناوشات مرورا باعتراف بوتين فى ٢١ فبراير بجمهوريتى لوجانسك ودونيتسك الناطقتين بالروسية واللتين أعلنتا انفصالهما عن أوكرانيا فى أعقاب الاحتجاجات التى أطاحت بالرئيس الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش فى ٢٠١٤ الأمر الذي أشعل المعارك بين المنطقتين الواقعتين في شرق أوكرانيا وبين سلطات كييف انتهت بتوقيع اتفاقيات مينسك.

انطلاق العملية العسكرية
واعتبر كثيرون أن خطاب بوتين الذى اعترف فيه بالجمهوريتين هو تمهيد لغزو أوكرانيا والذى بدأ فعليا صباح الخميس ٢٤ فبراير مع إعلان الرئيس الروسي العملية العسكرية التى شملت قصفا جويا لقواعد عسكرية ومطارات ومراكز للأسلحة وانتشار برى من ٣ جهات والتى نجحت خلالها القوات الروسية في السيطرة على محطة تشيرنوبل النووية.

وبمتابعة التصريحات الصادرة عن موسكو يمكن فهم مدى العملية تحديدا تأكيد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف على أن هدف العملية ليس غزو أوكرانيا وإنما تحييدها عسكريا وتجريدها من السلاح واجتثاث من وصفهم ب”النازيين”.

الأسلحة النووية الأوكرانية تقلب الأحداث
إلا أن التصريح اللافت كان للمتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا التى قالت إن الحديث عن امتلاك أوكرانيا أسلحة نووية “هو ما قلب الأحداث رأسا على عقب” وهو التصريح الذي يمكن فهمه فى ضوء ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكى فى مؤتمر ميونيخ للأمن وقبل ساعات من اعتراف بوتين بلوجانسك ودونيتسك حيث قال إن بلاده تبحث استعادة وضعها النووى والانسحاب من معاهدة بودابست التى وقعتها عام ١٩٩٤ وتخلت بموجبها عن أسلحتها النووية التى امتلكتها قبل استقلالها عن الاتحاد السوفيتي.

عملية محدودة وليست حربا عالمية ثالثة
وبالتالى فإن المعطيات تشير إلى أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ستكون محدودة تنتهى بانتهاء أهدافها ومنع أوكرانيا من امتلاك سلاح نووى وتجريدها من أسلحتها وأغلبها شحنات حصلت عليها مؤخرا من الغرب وربما تنتهى بتقسيم أوكرانيا لمنطقتين حسبما قال العقيد الأمريكى المتقاعد سيدريك لايتون لشبكة “سى.إن.إن”.

الاكيد أن العملية العسكرية لن تتحول حربا عالمية ثالثة حيث يدرك حلفاء أوكرانيا جيدا سواء فى الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أوروبا أو حلف الناتو الذى سعت للانضمام إليه أن إرسال أى قوات لأوكرانيا أو التورط عسكريا هناك سيكون ضربا من الجنون ينذر بكارثة عالمية محققة وهم فى ذلك ليسوا بحاجة لتهديدات بوتين التى أطلقها ضد من يحاول التدخل.

وحتى اللحظة يقتصر رد الفعل العسكرى لحلفاء أوكرانيا على تعزيز القوات فى شرق أوروبا.

العقوبات الغربية على روسيا سلاح سبق فشله
أما رد الفعل السياسى فإلى جانب الإدانات تواصلت العقوبات الأمريكية الأوروبية والتى رغم تأثيرها السلبى المحتمل على الاقتصاد الروسي إلا أنها لم تصل لمستوى التهديدات السابقة خاصة وأن الغرب يدرك أن الكثير من العقوبات المحتملة قد يمتد تأثيرها ليصيب النظام العالمى ودول الغرب أيضا كما أن الخلافات قائمة بين الأوروبيين حول استبعاد موسكو من النظام المالى العالمى (سويفت).

وتبدو موسكو مستعدة لمواجهة آثار العقوبات وهو ما حرص بوتين على تأكيده خلال لقائه مع رجال الأعمال الروس مشددا على ضرورة التعاون لتجاوز الفترة الصعبة كما حدث فى ٢٠١٤ عقب فرض عقوبات اقتصادية على روسيا بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم.

والاكيد أن هذه العقوبات لم تمنع روسيا من مواصلة دورها على الساحة السياسية الدولية خاصة فى ملفات مثل سوريا حيث قلب تدخل الجيش الروسى موازين الصراع وأنقذ الرئيس بشار الأسد كما كانت موسكو حاضرة بقوة فى المحادثات النووية مع إيران وفى الأزمة الليبية حتى أن النفوذ الروسي امتد للقارة الأفريقية مع انتشار قوات من مجموعة فاجنر فى مالى مؤخرا وانسحاب الجيش الفرنسى.

وفى ظل المخاوف من الآثار الاقتصادية السلبية للأزمة على الاقتصاد العالمي وهو ما حدث الخميس مع ارتفاع أسعار النفط والغاز والقمح خوفا من انقطاع سلاسل الإمداد وأيضا ارتفاع أسعار الذهب باعتباره الملاذ الآمن فى مقابل تراجع البورصات العالمية إلا أن هذا التأثير قد يكون محدودا ينتهى بانتهاء العملية العسكرية خاصة مع تأكيد بوتين حرص بلاده على عدم الإضرار بالاقتصاد العالمي وتأكيد شركة غاز بروم على استمرار إمداداتها من الغاز.

أخيرا فإنه لا خلاف على أن للحروب مهما كانت أهدافها ثمنها الفادح يدفعه من لا ناقة لهم ولا جمل فى ألعاب السياسة لكن الأكيد أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ستكون نقطة فاصلة فى التاريخ الحديث تدشن لمرحلة جديدة فى السياسة الدولية.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتويات تحت الحماية

من النظام الداخلي لحركتنا فتح

القواعد والأسس التنظيمية

مقدمة هيكل البناء الثوري

هذا… أولا…؟
من أجل فلسطيننا الغالية
من أجل الثورة لتحرير أرضنا السليبة
وحتى يشرق فجر الكرامة الذي تاه في ليل النكبة الطويل.
انطلقت حركتك…
تدرك طريقها .. وتسلك منهجا ثوريا بناء يرسي دعائم العمل الثوري على أسس علمية واعية وبروح إيجابية خلاقة وفاعلة واستراتيجية ثورية موحدة.
وبعيدا عن العاطفة الساذجة والجمال العابر والنفورات العارضة، بعيدا عن السلبية والارتجال والتخبط والفوضى.
تضع الحركة بين يديك…