الأربعاء. مايو 25th, 2022
بقلــم: إبراهيم أبراش
بقلــم: إبراهيم أبراش

تاريخيا حدث تلازم ما بين القضية الفلسطينية ومحيطها العربي والإسلامي، حيث تزامن فكر النهضة العربية الإسلامية نهاية القرن التاسع عشر مع ظهور الحركة الصهيونية كما أن ظهور القضية الوطنية الفلسطينية بداية القرن العشرين لم يكن منقطع الصلة بظهور الحركة القومية العربية من جانب وبالمخططات الاستعمارية لتقسيم المنطقة العربية والهيمنة عليها من جانب آخر.

ففي عام 1905 كتب نجيب عازوري في كتابه (يقظة العرب): “هناك حادثان هامان من طبيعة واحدة ولكنهما متعارضان، وهما يقظة الأمة العربية والجهد اليهودي الخفي لإنشاء مملكة “إسرائيل” القديمة من جديد وعلى مقياس أوسع، إن مصير هاتين الحركتين هو الصراع المستمر إلى أن تغلب إحداهما الأخرى”.

وهكذا تأسست العلاقة المصيرية بين فلسطين ومحيطها العربي، وتجلى هذا الارتباط منذ بداية القرن العشرين من خلال علاقة القضية العربية الناهضة بالمخططات الاستعمارية لتقسيم المنطقة العربية وزرع الكيان الصهيوني في قلبها، وليس عبثا التزامن والتداخل ما بين ثورة الشريف حسين على العثمانيين 1915، ومخطط سايكس – بيكو 1916، ووعد بلفور 1917، ثم الانتداب البريطاني على فلسطين. واستمرت القضية الفلسطينية قضية قومية عربية إلى بداية تراجع المد القومي الوحدوي بعد حرب حزيران 1967 وانشغال الشعوب والأنظمة العربية بمشاكلها الداخلية.

منذ ذلك التاريخ والحديث يجري عن (البُعد القومي للقضية الفلسطينية) دون غيرها من القضايا العربية، وكان هذا البُعد حاضرا طوال مسيرة القضية كما كان المسلمون ينظرون بقدسية لمدينة القدس وبعضهم يعتبر فلسطين وقفا إسلاميا أو الأرض المباركة الخ. ومن هذا المنطلق لم تحظى قضية وطنية أو تحررية عربية باهتمام عربي وإسلامي كما كان الشأن مع القضية الفلسطينية، وإلى وقت قريب، ما كانت تُعقد قمة عربية او إسلامية أو يَخطب زعيم أو رئيس عربي أو مسلم إلا كانت القضية الفلسطينية على سُلم الاهتمامات، وبالمقابل كان كثير من الفلسطينيين يتطلعون لهذه القمم ويبنون عليها آمالا كبيرة، كيف لا، وقد كانت الانظمة والأحزاب العربية والإسلامية تُهدد وتتوعد “إسرائيل” وترفع الشعارات الكبيرة عن تحرير فلسطين والخطر الصهيوني ومقاطعة “إسرائيل” والواجب العربي والإسلامي في نصرة الفلسطينيين الخ، دون ممارسة فعلية على أرض الواقع، أما الجماهير العربية والإسلامية فهي صادقة في مشاعرها المُحِبة للفلسطينيين والمتعاطفة معهم ولكنها ليست صاحبة قرار ومغلوبة على أمرها.

كانت أية تحولات أو متغيرات كبيرة تحدث في العالم العربي تنعكس مباشرة على القضية الفلسطينية، فعندما تنتكس الحركة القومية والثورية العربية تنتكس القضية الفلسطينية وعندما تنهض الحالة العربية أو الإسلامية تنهض معها القضية، فما كانت فلسطين تضيع وتحدث النكبة عام 1948 لو لم تكن الحالة العربية والإسلامية عاجزة بل ومتواطئة مع بريطانيا والغرب، وما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعرف نهوضا مع منظمة التحرير الفلسطينية وبقية القوى الوطنية منتصف الستينيات لولا حالة المد الثوري والتقدمي العربي، في المقابل فإن الانتكاسات التي أصابت القضية الفلسطينية أخيرا غير منقطعة الصلة بتراجع الحالة الثورية والتقدمية العربية منذ توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد مع “إسرائيل” ثم انهيار النظام الإقليمي العربي بعد حرب الخليج الثانية وأخيرا فوضى ما يسمى بالربيع العربي.

فبعد حرب 1967 واحتلال “إسرائيل” لأراضي عربية بدأت الأمور بالتغير نسبيا بحيث لم تعد القضية الفلسطينية القضية الأولى للعرب، وأصبح هدف تحرير الاراضي العربية المحتلة عام 1967 أسبق في الأهمية والأولوية على تحرير فلسطين، وفي نفس الوقت تراجعت المراهنات الفلسطينية على الانظمة والأحزاب العربية، من مراهنة وصلت لحد انتظار الجيوش العربية لتشكل كماشة تُطبق على “إسرائيل” وتحرر فلسطين، إلى مراهنة خجولة واستجدائية على بعض المساعدات المالية، أو دعم الموقف الرسمي الفلسطيني في المنظمات والمحافل الدولية. وفي نفس الوقت تعرضت الحركة الوطنية لعدة نكسات ودخلت في صراعات عربية داخلية، كأحداث الأردن 1970 والحرب الاهلية اللبنانية 1975 والتي امتدت لحين غزو “إسرائيل” للبنان 1982 وإخراج قوات منظمة التحرير من بيروت.

بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد 1978 والتي تزامنت مع المد الإسلامي الاصولي مع ثورتي أفغانستان وإيران وظهور تنظيم القاعدة وتفرعاته، راهنت بعض القوى السياسية الفلسطينية وقطاع مهم من الشعب الفلسطيني على الأمة الإسلامية وأنظمتها وأحزابها بدلا من المراهنة السابقة على الامة العربية وأحزابها وأنظمتها، إلا أن حال (البعد الإسلامي) لم يكن افضل من حال (البعد القومي)، بل كانت الصدمة والخيبة اكثر إيلاما على الفلسطينيين، ليس فقط بسبب تجاهل الأمة الإسلامية، أمة المليار والنصف مليار، للقضية الفلسطينية وللقدس حيث ذهب ( المجاهدون ) ليقاتلوا في كل مكان في العالم من قندهار إلى البوسنا وسوريا وليبيا، دون ان يفكروا بالقدوم للجهاد في فلسطين، بل لأن من تَدخَّل منهم سياسيا في الشأن الفلسطيني كان تدخله فجا ومسيئا للقضية الوطنية، حيث تدخلوا لا لتحرير فلسطين ودعم المشروع الوطني، بل لتوظيف القضية الفلسطينية لخدمة مشاريعهم وأجندتهم الخاصة، وعلى حساب المشروع الوطني الفلسطيني.

كان ما يسمى بالربيع العربي وتداعياته مثالا على استعداد جماعات الإسلام السياسي التضحية بفلسطين والقدس لخدمة مصالحها. وهناك نقطة تقاطع ما بين “إسرائيل” وجماعات الإسلام السياسي، فإذا كانت “إسرائيل” لا تريد قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن سلوك غالبية جماعات الإسلام السياسي يقول بعدم ضرورة وجود دولة للفلسطينيين، أو أنها ليست في أولوية سلم اهتمامها.

لم يكن الخلل في فكر القومية والوحدة العربية ولا في حقيقة العلاقة الجدلية بين القضية الفلسطينية والعالم العربي، كما لم يكن الخلل في الإسلام كدين بما يتضمن من دعوات للجهاد ونصرة المسلمين ووحدتهم، ولكن الخلل يكمن في أدلجة هاتين الهويتين والبُعدين، فعندما تتحول الهوية والفكرة القومية إلى أيديولوجيا لحزب او نظام فإنها تفقد ماهيتها وقيمها الجوهرية المتسامية على الأشخاص وحسابات السلطة الضيقة، وتتحول لأداة لخدمة الحزب وبالتالي السلطة ورجالاتها، وعندما يتم أدلجة الدين ويتم تطويعه تفسيرا وتأويلا بما يتماشى مع التطلعات السلطوية لأحزاب تدعي أنها إسلامية، آنذاك يفقد الدين جوهرتيه وقيمه السامية التوحيدية ويتحول لأداة للأحزاب والقوى المتصارعة على السلطة. أيضا النخب السياسية الفلسطينية مسئولة نسبيا عن هذا التراجع عندما تراجعت عن نهج المقاومة لتحرير فلسطين وباتت مطالبها مالية أو في حدود دعم السلطة القائمة سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، وهو الامر الذي سمح للأنظمة العربية التهرب من مسؤولياتها القومية تحت شعار أنهم لن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم، وأنهم يقبلون سياسيا ما يقبل به الفلسطينيون.

البعدان القومي والإسلامي كانا صادقين وضروريين من حيث المنطلقات، ولكنهما انحرفا عن أهدافهما وخرجا عن مبادئهما الأولى عندما حدث الانفكاك أولا ما بين الهوية أو الفكرة من جانب وأدواتها التنفيذية التنظيمية والحزبية من جانب آخر، وعندما حدث الانفكاك ثانيا ما بين الشعب المؤمن بصدق بهاذين البعدين والمستعد للكفاح من اجل تجسدهما عمليا، من جانب، والأنظمة والأحزاب التي صادرت هاتين الفكرتين والهويتين وحولتهما لأدوات في صراعها من اجل السلطة حتى بين من يحملون أو يزعمون انهم ينتمون لنفس الهوية، من جانب آخر.

فشلت وانكشفت الايديولوجيات والتوظيف السياسي للقومية العربية وللدين الإسلامي في التعامل مع القضية الفلسطينية، بل فشلت هذه القوى حتى في حل إشكالات المجتمعات الوطنية التي تنتمي لها وتعمل في إطارها. لكن الواقع وبعد حالة الفتنة والحرب الاهلية التي تعم عديد الدول العربية، يؤكد على أن المخرج للقضية الفلسطينية من مأزقها، والمخرج لكل إشكالات العالم العربي لن يكون إلا بالعودة لتصحيح وتقييم العلاقة ما بين الوطنية – هوية وكيانا سياسيا – من جانب والفكر القومي العربي والحاضنة العربية من جانب آخر، ولكن على أسس ومنطلقات جديدة تُحرر الفكر الوحدوي العربي من أوهام الايدولوجيا والمصالح الحزبية والسلطوية، وتُحرر الدولة الوطنية من الدكتاتورية والاستبداد.

أيضا لا يمكن أن نفك القضية الفلسطينية عن العالم الإسلامي ما دامت القدس في قلب القضية الفلسطينية، وما دام الصهاينة يوظفون الدين في صراعهم مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بل يطالبون بدولة يهودية، ولكن ايضا نحتاج إلى إعادة موضعة العلاقة أولا بين السياسي والديني، وثانيا ما بين الوطني والديني، أو المشروع الوطني الفلسطيني والمشروع/ المشاريع الموسومة بالإسلامية، بحيث يتم توظيف الدين لصالح المشروع الوطني فكرا ودولة وليس إلحاق المشروع الوطني بهذه المشاريع المغامرة والغامضة، والتي فشلت حتى الآن ليس فقط في تحقيق دولة الخلافة الموعودة، بل كانت سببا في تدمير الدولة الوطنية في أكثر من بلد عربي وخلق فتنة وحرب أهلية مدمرة.

إن كنا نتمنى من الانظمة والقوى السياسية العربية والإسلامية تصويب علاقتها مع القضية الفلسطينية واحترام الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية والتوقف عن توظيف الفلسطينيين ومعاناتهم لخدمة صراعاتها الداخلية على السلطة ولخدمة مصالحها ومشاريعها الإقليمية، فإنه مطلوب في نفس الوقت من القوى السياسية الفلسطينية بكل مشاربها، وخصوصا بعد ما كشفه العدوان “الإسرائيلي” الاخير على غزة من حقائق، مطلوب منهم عمل مراجعات استراتيجية لفكرها وسياساتها، والتوقف عن الحديث عن انتصارات مُبالغ فيها، أو إلقاء المسؤولية عما حدث فقط على العدو “الإسرائيلي” وتخاذل العرب والمسلمين، أو إلقاء كل طرف فلسطيني بالمسؤولية على الطرف الفلسطيني الآخر وينزه نفسه عن كل خطأ.

لا يمكن لمنظمة التحرير والسلطة المراهنة فقط على واشنطن والغرب في تحركهم السياسي وتجاهل الرأي العام العربي والإسلامي، وتجاهل القدرات الكامنة عند الشعب الفلسطيني التي ظهرت خلال العدوان على غزة، حتى وإن كانت قدرات الصمود والصبر. أيضا لا يمكن لحماس والجهاد الإسلامي المراهنة على جماعات الإسلام السياسي والأنظمة الإسلامية، وتجاهل المصلحة الوطنية التي لها الأولوية على اية انتماءات أو ارتباطات أيديولوجية أخرى، حيث كشفت الحرب محدودية ما يمكن أن تقدمة الأنظمة والحركات الإسلامية.

على القوى السياسية الفلسطينية بكل مشاربها أن تعرف انها لن تكون قوى قومية حقيقية أو إسلامية حقيقية إلا إذا انطلقت من حاضنة وطنية حقيقية، وسيكون موقعها هامشيا وذيلي في أي مشروع سياسي قومي عربي أو اممي إسلامي إن لم تنطلق من منطلق وطني ومن قاعدة وجود الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة.

مشاركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: المحتويات تحت الحماية

من النظام الداخلي لحركتنا فتح

القواعد والأسس التنظيمية

الباب الثالث: العضوية

استمرار العضوية وانقطاعها واستمرارها

المادة (٤١):

(أ): تستمر العضوية في الحركة مادام العضو مستمرا في ممارسة نشاطاته وقائما بواجباته.
(ب): تنقطع العضوية في الحركة إذا توقف العضو عن ممارسة نشاطاته ثلاثة أشهر متوالية دون إبداء الأسباب أو دون سبب مقنع أو إذا طلب العضو التوقف عن العمل.
(ج): تنتهي العضوية في الحركة إذا اتخذ قرار بطرده من الحركة من الجهة المختصة نتيجة مخالفات مسلكية أو سياسية أو تنظيمية تستوجب ذلك (وتحدد الجهات المخولة بإنهاء العضوية بموجب نظام العقوبات).