
الكاتب: د. محمد سيد أحمد
في اللحظة التي يخرج فيها أحد أبرز صقور اليمين الأميركي، السيناتور ليندسي غراهام، ليعلن أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يقيم “تحالفات مع منظمات مسلحة دولية”، وأنّ فنزويلا “دولة تدار من العصابات والجماعات غير الشرعية”، فإننا لا نكون أمام مجرد تصريح سياسي عابر، بل أمام صافرة إنذار تشير إلى أنّ الولايات المتحدة تتحرك نحو مرحلة جديدة من الصراع مع الدولة الفنزويلية. فهذه اللغة بما تحمله من تهويل وتضليل، ليست سوى النسخة اللاتينية من الخطاب الذي سبق كلّ تدخل أميركيّ في العالم خلال نصف قرن، من تشيلي إلى العراق، ومن بنما إلى ليبيا. إنها لغة التحضير للعدوان، وإعداد المسرح الإعلامي والأيديولوجي لعمل عسكري أو شبه عسكري يتمّ تغليفه بشعارات “الديمقراطية” و”الأمن القومي”، بينما جوهره الحقيقي هو استعادة الهيمنة والسيطرة على الثروات.
ولعلّ ما يجعل اللحظة أكثر وضوحاً هو أن واشنطن تعاني اليوم من أزمة اقتصادية خانقة، تتجلّى في تراجع دور الدولار، وارتفاع الدين العام، واشتداد المنافسة الصينية ـ الروسية على الساحة الدولية. وفي مثل هذه اللحظات، تتجه القوى العظمى إلى البحث عن مصادر جديدة للثروة والطاقة لإعادة ترميم قوتها، وهنا تظهر فنزويلا بوصفها الجائزة الأكبر في القارة الجنوبيّة، بامتلاكها أضخم احتياطي نفطي في العالم، وإصرارها على أن تظلّ هذه الثروة في خدمة شعبها لا في خدمة الشركات الأميركية. ومن هنا يمكن فهم أنّ استهداف كاراكاس ليس نتاجاً لسياسات مادورو فحسب، بل لأنه يواصل المسار نفسه الذي رسمه هوغو شافيز، رجل التحرّر الذي حمل روحه وعقله مزيجاً من البوليفارية والناصرية، ومن الاشتراكية الإنسانية التي آمن بها جمال عبد الناصر ومنحها معناها العربي.
لقد كان شافيز ناصرياً بالمعنى العميق للهوية السياسية، لا بمجرد الموقف العاطفي. كان قارئاً واعياً لتجربة التحرر العربية، مستوعباً درس الاستقلال الوطني ودرس العدوان الخارجي، تماماً كما فهم عبد الناصر أن مشروع التبعية يبدأ من لحظة التخلي عن القرار السيادي. فهم شافيز أنّ النفط الفنزويلي هو عمود السيادة، وأنّ من يسلّم ثروته يسلم إرادته. ومن هنا فإنّ كلّ ما تتعرّض له فنزويلا اليوم هو استمرار مباشر للعداء الذي واجهته مصر الناصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين قرّرت أن تملك قناة السويس، وأن تبني مصنعاً وسداً، وأن تقول “لا” في وجه الإمبريالية العالمية الغاشمة.
وما يواجهه مادورو اليوم ليس مجرد حصار اقتصادي، بل محاولة ممنهجة لإخضاع الدولة من مسارين متوازيين: الأول يعتمد على استهداف القيادات البوليفارية التي تشكل بنية النظام، تماماً كما جرى في حالات أخرى حين تمّ اغتيال أو محاصرة أو تشويه قادة الصف الأول لإحداث فراغ في البنية السياسية. والثاني يقوم على تفجير الداخل عبر تحريك المعارضة، وإدخال البلاد في فوضى اجتماعية وإعلامية وسياسية تضعف التماسك وتخلق لحظة انهيار داخلي تسعى واشنطن إلى استثمارها. وفي علم الاجتماع السياسي، يشكل هذا النموذج صيغة معروفة تستخدم حين تفشل الضغوط المباشرة في إخضاع الدولة، فيجري الانتقال إلى ما يسمى “الهدم البطيء”، أيّ إنهاك المجتمع حتى يبدأ هو نفسه في طلب تدخل الخارج.
إلا أنّ فنزويلا، رغم كلّ هذا، ليست دولة سهلة الكسر، ذلك أن تجربتها الثورية صنعت هوية وطنية جامعة قادرة على مقاومة الضغوط. فالفنزويليون ليسوا مجرد شعب يعيش فوق النفط، بل شعب أدرك عبر تجربته المريرة أنّ ثروته قد تكون نعمة أو نقمة، بحسب قدرته على الدفاع عنها. ومن هنا فإنّ اللحظة الراهنة تشبه اللحظات التاريخيّة التي وصفها جمال عبد الناصر حين قال إنّ “معركة الاستقلال ليست حدثاً ينتهي، بل حالة دائمة من الوعي واليقظة”. هذا الوعي هو ما سيحسم المواجهة المقبلة.
لقد دعمت فنزويلا قضايانا العربية وفي مقدّمتها فلسطين، ووقفت ضدّ الاحتلال الصهيونيّ حين صمت كثيرون. واليوم حين تتعرّض هي نفسها لتهديد مباشر، يصبح من الطبيعيّ، أخلاقياً وقومياً وإنسانياً، أن نقف معها، لا من باب المجاملة السياسية، بل من باب إدراك أنّ معركة الحرية واحدة مهما تباعدت الجغرافيا. فالهجوم الأميركي على فنزويلا ليس هجوماً على دولة في أميركا اللاتينية، بل هو هجوم على فكرة الاستقلال ذاتها، على حق الشعوب في أن تكون سيّدة مواردها وخياراتها.
وإذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أنّ اللحظة مواتية للانقضاض على كاراكاس، فإنّ الرهان الحقيقي سيظل على قدرة الفنزويليين على توحيد صفوفهم، وعلى قدرة القيادة على إدارة المعركة بثبات ومهارة. وحين تنتصر الشعوب في هذه اللحظات، فإنّ انتصارها لا يكون محلياً، بل يصبح علامة إضافية في سجل العالم الذي يتغيّر، وبداية حقيقة لزمن لا تكون فيه الهيمنة قدراً محتوماً، ولا تكون فيه الأمم الصغيرة مجرد ساحات لاختبارات القوة الكبرى. إنّ صمود فنزويلا سيكون صموداً للإنسان الحر في كل مكان، تماماً كما كان صمود مصر بالأمس هو صمود الأمة العربية كلها، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

