تخطى إلى المحتوى
الرئيسية » من 17 أيّار 1983 إلى معركة أولي البأس 2024: هل يمكن جرّ لبنان إلى اتفاق سلام جديد مع “إسرائيل”؟

من 17 أيّار 1983 إلى معركة أولي البأس 2024: هل يمكن جرّ لبنان إلى اتفاق سلام جديد مع “إسرائيل”؟

من 17 أيّار 1983 إلى معركة أولي البأس 2024: هل يمكن جرّ لبنان إلى اتفاق سلام جديد مع “إسرائيل”؟

الكاتب: عماد خشمان

تشهد الساحة اللبنانية اليوم حالة من النقاش الصاخب حول مستقبل الصراع مع “إسرائيل”، في ظلّ ضغوط سياسية وعسكرية واقتصادية غير مسبوقة، وفي ظل حملة دولية تروَّج لفكرة “إعادة ترتيب الوضع اللبناني” تحت عنوان وقف الحرب، أو تثبيت الحدود الحالية القائمة في الميدان، أو “معالجة ملف سلاح المقاومة”.
هذا النقاش يستعيد مشهداً تاريخياً مفصلياً سبق أن شهده لبنان عام 1982، حين اجتاح العدو “الإسرائيلي” الأراضي اللبنانية وصولاً إلى العاصمة بيروت، فخرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية ومعها الجيش العربي السوري، وسقطت العاصمة تحت الاحتلال، ليجد لبنان نفسه للمرة الأولى في تاريخه الحديث أمام مفاوضات مباشرة مع العدو انتهت بتوقيع اتفاق 17 أيار 1983.
لكن ذلك الاتفاق لم يلبث أن سقط تحت ضربات المقاومة الشعبية الوطنية والإسلامية، ورفض شرائح واسعة من اللبنانيين الوطنيين بكافة طوائفهم لأي شكل من أشكال التطبيع أو الرضوخ لشروط الاحتلال.
اليوم، وبعد معركة “أولي البأس” في العام 2024 التي يروّج البعض واهماً بأنها أسقطت “قوة الردع” لدى المقاومة، يبرز السؤال مجدَّداً: هل تُعاد تجربة 17 أيار بصيغة جديدة؟ وهل الظروف الداخلية والخارجية مهيّأة لجرّ لبنان إلى “اتفاق سلام” مشابه؟
يبدو للبعض أنّ الظروف الحالية تشبه ما جرى خلال اجتياح عام 1982 من حيث الضغوط الخارجية الهائلة، مترافقة مع انقسام داخلي يلاقي تلك الضغوطات والتهويلات في منتصف الطريق، وأزمة سياسية واقتصادية خانقة يعاني منها لبنان والشعب اللبناني، وتحت وطأة حملة دعائية ظالمة وحاقدة تقول إن “المقاومة انتهت”.
لكن في قراءة معمّقة وهادئة يتبيّن لنا أنّ جوهر المشهد مختلف تماماً، وأنَّ ميزان القوة تغيّر جذرياً، في العام 1982 دخلت “إسرائيل” بيروت بالدبابات، وفرضت تحت سطوة الاحتلال اتفاقاً مُذِلّاً على دولة ضعيفة مشرذمة ومنقسمة على بعضها، أما اليوم فـ طإسرائيل” نفسها وعلى الرغم من الانقسام العمودي في لبنان حول المقاومة وسلاحها تُقرُّ بأنها تواجه على جبهة الشمال أقوى وأخطر التهديدات في تاريخها، وأنّ حربها مع لبنان كانت وستبقى دائماً محفوفة بالمخاطر الوجودية على الكيان الغاصب ولم يعُد “نزهة عسكرية” كما اعتادت سابقاً.
في معركة أولي البأس العام 2024 خرجت المقاومة قوية ومقتدرة ويدها هي العليا في الميدان، ومواجهات الناقورة وشمع وعلما الشعب وطيرحرفا ورامية وعيتا الشعب ومارون الراس وحولا وعيترون وبليدا وعديسة والخيام وغيرها خير دليل وشاهد، وعلى الرغم من حجم التضحيات والخسائر في الأرواح والدمار والخراب لم تنجح “إسرائيل” في تحقيق أهدافها التي لأجلها خرجت إلى الحرب وأعلنت عدوانها على لبنان، لم تُنهِ حزب الله كما أرادت ولم تقضِ على وجوده في الجنوب ولم تُضعف حضوره السياسي أو العسكري، والأهمّ من ذلك أنها لم تُنتج انهياراً في بيئته الشعبية أو انفكاكاً منها عنه.
في العام 1982 كان العالم ثنائي القطبية، وكانت الولايات المتحدة اللاعب الوحيد الفعّال في المنطقة مع حضورٍ ضعيف للاتحاد السوفياتي السابق نتيجة الغرق في وحول حرب أفغانستان (1979 – 1989)، اليوم المنطقة تشهد تعددية في موازين القوة، هناك إيران التي أضحت قوة إقليمية محورية، كما أنَّ روسيا والصين جزء من المعادلات القائمة، ومحور المقاومة الذي ما زال يختزن العديد من عناصر القوة والقدرة والإمكانية والذي امتدَّ من فلسطين إلى لبنان وسورية (قبل سقوط النظام السابق) والعراق واليمن.
الرأي العام العالمي الشعبي والعديد من الحكومات يشهد تعاطفاً غير مسبوق مع الشعوب المظلومة والواقعة تحت الاحتلال، و”إسرائيل” ليست في أفضل حالاتها، بين أزمات داخلية حادَّة وبمستويات غير مسبوقة، واتهامات دولية ومحاكم جنائية تلاحق قادة العدو بإرتكاب جرائم حربٍ وإبادة، وتراجع اقتصادي سبَّبته الحرب وتداعيات والعدوان، وانقسام سياسيٍّ عمودي تبدو فيه “إسرائيل” أضعف مما كانت عليه عام 1982.
هناك محاولات جارية لإسقاط لبنان في الحضن الإسرائيلي، لكن نجاحها يبدو صعباً جداً ولعدة أسباب أهمُّها عدم وجود بيئة لبنانية قابلة للتطبيع خاصَّة بعد التغيُّر الجذري للمزاج الشعب اللبناني وقناعاته وفهمه لمسألة الصراع مع العدو الإسرائيلي ما بين العام 1982 و 2024، واليوم السَّلام والتطبيع مع إسرائيل يُعدُّ خطاً أحمر وطنياً وشعبياً ولونه قاني بلون الدم، ومرتبطة به حساسية تاريخية وسياسية ودينية لا يمكن القفز فوقها.
وأيضاً يمنع هذا السقوط وجود قوة ردع لبنانية ذات بيئة حاضنة وعمق استراتيجي إقليمي متماسكة من حيث القدرة والقوة بكلِّ أشكالها تمنع أيّ محاولة لإملاء الشروط على لبنان، والمعادلة اليوم قائمة على توازن رعب دفين ومضمر لا يسمح بالانهيار والسقوط فريسة للمشروع الإسرائيلي، والمجتمع الدولي ليس بقادر على فرض اتفاق بالقوة، حتى الولايات المتحدة نفسها ورغم ضغوطها الهائلة، تدرك أنّ أيّ اتفاق مفروض بالقوة لن يصمد بتاتاً، تماماً كما سقط اتفاق السابع عشر من آيار 1983.
رغم التهليل والتطبيل أميركياً وإسرائيلياً لخطوة انضمام ممثل مدني عن الحكومة اللبنانية إلى اجتماعات لجنة الميكانيزم، كان ينقص فقط إطلاق المفرقعات النارية ابتهاجاً بهذه الخطوة النقيصة نحو مفاوضات التطبيع والاستسلام لولا بعضٌ من حياءٍ مفقود، وعلى الرغم من أنها خطوة غير موفقة لا بالشكل ولا بالمضمون ولا بالتسمية مع وجود العديد من علامات الاستفهام على الخيار بانتقاء شخصية معروف عنها موقفها العدائي تجاه المقاومة وسلاحها وأهلها ومحورها، مما يجعلنا نتوجّس من مسار الأمور التفاوضية ونتائجها (خاصة مع انفصال الوفدين العسكري والمدني في جلسات التفاوض) وأيضاً مع بروز هذه الأدوار الفجائية لأشخاص تظهر على المسرح دون إنذارٍ مسبق رغم انطفاء أضوائها وأدوارها وذهابها طيِّ النسيان وانزوائها في قرنة ما.
ومع تسارع الأماني والأحلام إسرائيلياً وأيضاً عند بعض اللبنانيين نلاحظ إذا نظرنا إلى الخارطة الدولية أنَّ الولايات المتحدة الأميركية تريد تهدئةً لا سلاماً، وأنَّ واشنطن اليوم ليست بوارد خوض مغامرة سلام بحدودٍ مُلزمة، بل تسعى إلى “ضبط الحدود” و”تثبيت الوضع الأمني” و”احتواء حزب الله” لا فرض اتفاق شبيه بـ 17 أيار.
إنَّ تناسي البعض غباء أو حقداً أنَّ إيران لاعب أساسي في المنطقة والإقليم ولا يمكن تجاوزها في أيّ مفاوضات، مما يجعل أيّ اتفاق منفصل بين لبنان و”إسرائيل” أمراً مستبعداً، مع العلم أنَّ التوازنات الإقليمية تميل لمصلحة محور المقاومة، اليمن أغلق باب المندب ويهدّد الملاحة في البحر الأحمر ويضرب حصاراً على موانئ الكيان الغاصب ويقفل مطار بن غوريون أنَّى شاء، غزة صمدت في وجه الهجمة البربرية وأنزلت بالعدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
أمَّا فصائل المقاومة في العراق فهي نشِطة وعلى مختلف الصُّعُد ومقتدرة سياسياً وعسكرياً ويدها على الزناد عند الحاجة، وسورية ما زال مبكراً الحديث عن خروجها من معادلة المواجهة والصِّراع وما جرى في “بيت جِن” قبل أيام قد يكون إشارة ودلالة، وكلّ هذه التفاعلات تعقّد أي مسار للتطبيع مع لبنان وتجعله صعب التحقيق.
على الرغم من صعوبة فرض اتفاق، إلا أنّ هناك سيناريوات متعددة قد تُستخدم لمحاولة جرّ لبنان إلى “مفاوضات مباشرة” ومنها الضغط الاقتصادي والمالي مع استمرار الانهيار الحاصل في لبنان وربط أي مساعدات دولية لإعادة الإعمار بـ”ضبط الحدود” و “نزع سلاح المقاومة”، وإشغال الرأي العام ضدها وشيطنتها والتحريض على دورها وسلاحها، مع العلم أنَّ هذا المسار دونه عقبات ويعتمد على قدرة واشنطن على التحكم الكامل بالوضع اللبناني، وهو أمرٌ لم ينجح حتى الآن.
ومن السيناريوات المتوقَّعة أيضاً وقوع حرب قصيرة ومحدودة لتعديل قواعد الاشتباك ظناً أنّ ذلك يزيدُ من عمق جراحات المقاومة بهدف دفعها للاستسلام وفرض شروطٍ على لبنان عبر مجلس الأمن، ومحاولة خلق بيئة سياسية داخلية متماهية مع أهداف العدو تدعو إلى “اتفاق سلام” معه بحجة تجّنب حربٍ جديدة مدمِّرة، وهذه من الحسابات الخاطئة والخطوات الغير محسوبة من قبل العدو دونها تقدير احتمالات تدحرج الأمور إلى حرب شاملة في المنطقة، وهو ما تخشاه “إسرائيل” والولايات المتحدة على حدٍّ سواء.
كما أنَّ هناك افتراضات لحصول مسار تفاوضي تحت غطاء دولي يُطرح عبر ضغوط أممية وبوساطة فرنسية – أميركية وغطاء عربي لإعادة إحياء اتفاقات مشابهة للقرار 1701، وهدفها إدخال لبنان في عملية تطبيع تدريجية تبدأ أمنية وتنتهي سياسية، مع طرح سؤال عمن يجرؤ من اللبنانيين أياً تكن صفته وموقعه السياسي أو طائفته القيام بهذه الخطوة أو الذهاب بها إلى النهاية وتوقيع اتفاق سلام وتطبيع مع العدو الصهيوني.
هل نحن أمام 17 أيار جديد؟ الجواب الأقرب إلى الواقع هو “لا”، الظروف الموضوعية مختلفة جذرياً وموازين القوة في غير مصلحة “إسرائيل”، كما أنّ المقاومة لا تبدو في موقع “الهزيمة” كما يروّج البعض، بل هي في موقع تثبيت توازن الردع، بدليل استمرار الواقع في الجنوب على حاله من إقلاق وتهديد للعدو الإسرائيلي، وتالياً قدرة الحزب على المبادرة الميدانية وفق تقديرات أميركية وإسرائيلية.
ومع أنّ الضغوط ستزداد، ومحاولات جرّ لبنان إلى مسارات تفاوضية ستتكرر، إلا أنّ البيئة اللبنانية والتوازنات الإقليمية وقوة المقاومة وحضورها وجهوزيتها والتحولات العالمية كلها تجعل تكرار تجربة 1982 وفرض اتفاق جديد على لبنان احتمالاً ضعيفاً جداً، وليأخذوا علماً أنَّ البندقية التي أسقطت اتفاق السابع عشر من أيار ما زالت موجودة واللبيب من التجربة السابقة يفهمُ، لكنَّ ذلك لا يلغي ضرورة الجهوزية السياسية والإعلامية والشعبية التي هي السلاح الأمضى في هذه المواجهة، لأنَّ الضغوط لن تتوقف وأدوات الاختراق اليوم لم تعد دبابات الاحتلال، بل العقوبات والاقتصاد والحرب النفسية ووسائل الإعلام، والمعركة تحديداً هي على وعي الناس وصلابة موقفهم وصمودهم.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة تعبّر عن رأي صاحبها حصراً


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي

من النظام الداخلي لحركتنا فتح

القواعد والأسس التنظيمية

مقدمة هيكل البناء الثوري

أخي يا رفيق النضال
إن هذه الحركة وهذا العمل لأمانة وطنية ومسؤولية تاريخية.. فلتحمل الأمانة الغالية.. ولتقدر المسؤولية الخطيرة.. ولتهيئ كل من حولك ولتلهب روح العمل الثوري المنظم في كل نفس عربية مخلصة لفلسطين مؤمنة بتحريرها. ولنروض جميعا نفوسنا على الصبر ومواجهة الشدائد واحتمال المكاره والبذل.. والتضحية.. والفداء.. بالروح والدم.. والدم.. والجهد.. والوقت وهذه كلها من أسلحة الثوار.

لذلك.. لا تقف يا أخي!!
وفي هدوء العاملين.. وصمت المخلصين وفي عزم الثوار.. وتصميم المؤمنين.. وصبر المكافحين.. انطلق سريعا لأن شعبنا بحاجة لكل لحظة من الزمن بعد أن امتدت مأساتنا هذه السنين الطوال. ولتعلم أن عدونا قوي.. والمعركة ضارية ليست قصيرة.. وأن العزم.. والصبر والسرية والكتمان والالتزام بأهداف الثورة ومبادئها يحفظ خطوتنا من الزلل والتعثر ويقصر الطريق إلى النصر.. فإلى الأمام .. إلى الثورة.. وعاشت فلسطين حرة عربية “فتح”

اقرأ المزيد