
الكاتب: عصري فياض
“السنديانه” البلدة الفلسطينية المُهجَّرة والتي تقع في جنوب حيفا،وعلى بعد عشرين كيلومترا منها،والتي تُطِلُّ على البحر،وتتنسم هواءه العليل،من أول البلدات التي تستقبل سحابه الثقيل بعد بلدة “بريكة”،و”الكبارة” الملاصقة للبحر،تليها “أم الشوف” شرقا و”صبَّارين” شمالا و”قنير” جنوبا…
“السنديانه” كما الارض الفلسطينية في عزّ الربيع،يتنوَّع إنسانها من حيث النسب،كما يتنوع زهرها،منهم عائلة الصبَّاغ،تلك العائلة التي كانت ضمن من هبّ رجالها للذّود عن الوطن ،فالحاج محمود الصباغ،كان ممن إمتشق السلاح لنجدة القائد الجهادي عز الدين القسام حينما حوصر في جبال يعبد،فخرج من ” السنديانة ” مع مجموعة من المجاهدين قاصدين يعبد سيرا على الاقدام،وفي اليوم التالي،وقبل أن يصلوا مشارف يعبد،بأغتتهم طائرات المستعمر الإنجليزيّ،وقامت بقصفهم،فإستشهد الحاج محمود،تاركا خلفة عائلة كبيرة من الشبان والبنات،كان منهم أبنه احمد،التي أجبر على الهجرة أثر نكبة العام 1948،فإنتهى بها المُقامُ في أوائل الستينيات في حارة جورة الذهب قلب مخيَّم جنين،كان لا بد لوضع الرِّحَاَلِ في هذا التجمُّع بقصد الانتظار،وكان لا بد للشاب أحمد الصبَّاغ الذي كانت يده قبل وبعد النكبة،حتى وفاته،جالبةً للرزق والسعي ّالطموح،أن يكيِّفَ نفسه مع ما آلت اليه الامور،فقد تزوج من إمراتين،فأنجب العديد من البنات،ولم يرزق من الصبيان إلا ثلاثة،أحدهم من الزوجة الأولى،وإثنان من الزوجة الثانية،كان مولدهما بعد حرب عام 1967،وهم : محمد في عام 1974،وعلاء 1980.
أما محمد الذي لم يتجاوز عمرة السادسة عشر عندما إندلعت انتفاضة الحجارة،كان من فتيانها الأوائل،تعرض للإعتقال لاكثر من عام،وعندما خرج عاود نشاطه بقوَّة،وآثر على نفسه أن لا يدخل السجن ثانية دون أن يُدَّفع المحتل الثمن،فقد وقع مشهد تزاحم ذوي الاسرى أمام بوابة سجن جنين في العام 1990 في نفسه موقع الغضب،عندما كان سائرا إلى سوق المدينة،ولم يستطع أن يأخذ وقته في المشيّ في شوراعها ،فعاد على وطئة هذا الشعور الغاضب والساخط الذي إنتابه،عاد الى المخيَّم ماراً بالقرب من باب السجن الجنوبي،فشاهد بقايا من ذوي الاسرى…فَعرَّج وتقدم…وتظاهر أنه من ذوي الاسرى،شاهد سجَّاناً يقف حارسا،وضابطاً آخر يقوم بتسجيل أسماء من تبقى من معتقلين…وكلاهما لا ينفكَّان عن الاساءة لذوي الاسرى والتنكيل بهم باللفظ والازدراء…غَلَتْ الدماءُ في عروق محمد…تقدم أكثر،وإستل سكينه الحادة التي كان يخفيها على جانبه،وطعن السجَّان في رقبته عدة مرات،ثم لاذ بالفرار دون أن يتمكَّن الجندي الساكن في البُرج العسكري المزروع في المكان من إطلاق النار عليه،وتمكن من تجاوز الشارع الرئيس الفاصل بين سور السجن وسور المشفى،فقفز وذاب بين شجر المشفى الحكومي،ومن ثمّة دخل إلى مخيَّم جنين.
سرى الخبر في المخيَّم كالنار في الهشيم،محمد الصبَّاغ ثأر للشهداء…لقد أصبح مطارداً لقوات الاحتلال ومطلوبا بشدة،فما كان عليه إلا الاختفاء،فإختفى عدة أشهر في المخيَّم وقرى سيلة الحارثية وبرقين وبعض الاماكن الاخرى،قبل أن يُلقى القبضُ عليه إبان حرب الخليج الثانية،عندما كانت المدن والبلدات الفلسطينية تخضع لمنع التجوّل الشامل.
* لم يكن حكم المؤبد الذي صدر بحق محمد كافيا،كان لا بد من هدم المنزل وتشرد إسرته،كنوع من العقاب الجماعيّ،فبعد تسعة اشهر على ألاعتقال دخلت قوات كبيرة من جيش الإحتلال الى المخيَّم مساءً،وفرضت منع التجول،وأمرت عائلة أحمد الصبَّاغ،وكل البيوتِ المجاورة بإخلاء منازلهم فورا،وما هي الا ساعة،حتى بدأ العد العكسي بواسطة مكبَّرات الصوت المثبّتة على أحد السيارات العسكرية،والذي إنتهى بالرقم واحد، ليدوّي بعدها الإنفجار الذي حوَّل البيت الى كومة من الحجارة،وأصاب البيوت السبعة المحيطة به بالدمار الكبير…
لم تكن هذه الصورة التي تُعبِّر عن قسوة وبطش المحتل هي الاولى في عيون الطفل علاء،لكنها كانت الأبلَغ،ماجت من حولة صورة الدمار،تدافع الاهالي الى مكان الانفجار…يرفعون بعبارات عالية النبرة والحرارة معنويات والده…لم ينتهي المشهد إلا بعد منتصف الليل…عاد الى فراشه المنكوب في بيت أحد أقربائه منهكا يغلبه النُعاس،وما زال الدَويُّ القويُّ الذي حطم أركان بيتهم يتولى صوته في أذنيّه…
جاء صباح اليوم التالي…خلع عنه الغطاء،وركض الى جبل الركام،سار يتمايل خوفا من أن تنال قطع الطوب وقضبان الحديد الممزقة والمبعثرة من قدميه الحافيتين،جلس لوحدة يتأمل المكان الذي كان يمارس فيه طقوس الطفولة…
كان في جوفه الطفوليُّ تساؤلات لا أجوبة لها…بالرغم من أنه كان يجوَّل بعينية الواسعتين في كل ناحية وصوّب…يقولون محمد لن يخرج من السجن…ويقولون ممنوع على والدي إعادة بناء البيت مرة ثانية ….ويقولون حتى لو سُمح له اعادة بناء البيت…فهل يملك والدي ثمن البناء خلال فترة قصيرة.؟؟
ثم لماذا جرى لنا ذلك؟؟…قال والدي ذات مرة…تشردنا من “السنديانة”،ومنذ ذلك الوقت لم نهنأ بلذة العيش…كم كان والدي يشعر بالحسرة التي تكاد أن تقفز من وجنتيه وهو يتحدث بحزن دفين عن أرضنا هناك…
هكذا مضى وقت علاء الذي طالت جلسته على ردم بيتهم قبل أن يتسلل اليه بعض الصبية من أبناء حييهم ويجلسون الى جانبه…ولانهم أطفال لا يثبتون في مكان،فقد طالبوه بالذهاب بعيدا للعب كما يفعلون كلِّ يوم، فرفض…لقد غادر علاء اليوم سن الطفولة…فقد حطَّ في مكان آخر…لقد وقع في غير زمانه من وقع عصف الإنفجار…
* تولَّد عن التفكير العميق والطويل الذي لازم علاء فيما جرى لهم،وما يجري لمحيطة من أهل المخيَّم خاصة والشعب الفلسطيني عامة،إنعطافٌ مبكرٌ للكراهية الشديدة للمحتلين،ولم يقتنع بما يقوم به بعض أقرانه من مناوشات بالحجارة،والزجاجات الفارغة والحارقة تشتدُّ حينا،وتخبو حينا آخر…لا بد من الدخول لذلك المجتمع المحتل الذي يرسل أبناءه المحتلين ليلاحقونا الى ما تبقى من الوجود الفلسطيني،ليسومونا سوء العذاب،يخربون بيوتنا،ويقتلون ويعتقلون شبابنا،ويُدْخِلُونَ الحسرة والألم في كلِّ بيت…فشدَّ الرحال الى الداخل الفلسطيني بقصد البحث عن عمل،يخفي ما يفكر فيه،من أجل تحقيق ثأر يطمئن له…لم يَكُن يتملك سلاحا…ولم يَكُن يستهدي لتنظيم يؤمن له ما يريد بكلُّ سرية ٍونجاح…لابد من إحداث الايذاء في هذه البيئة المحتلة التي تسوق لنا الدمار…تعرّف على شبان من جيله…حدَّثوه كيف كان ذلك الشاب الفلسطيني من مدينة قلقيلية،يُحضر السيَّارات الاسرائيلية،بعد الاستيلاء عليها،ويجمعها في وادٍ قرب مدينته،ثم يشعل النار فيها،كنوع من المقاومة والايذاء تنال من مؤسساتهم وأشخاصهم من الناحية ألاقتصادية في شكل جديد مستحدث،تفتقت عنه عقول الاجيال الثائرة،فسرعان ما ملك المفكاَّت،وأصبح يحطم فيها زجاجات السيارات الفارهة،ثم يشغل محركاتها،وينطلق بها كالرصاص نحو جنين أو طولكرم،كان يفعل ذلك أمام أنظار اصحابها أحيانا الذين كانوا يقفون خلف الشرفات و خلف النوافذ لا يُحرِّكهم جُبْنُهُمْ حتى لاستدعاء الشرطة،لأنه كان يعمل بجرأءة وثقة تثير الهيّبة والرهبة لديهم…تمرَّس في هذا الفعل،حتى أصبح على دراية بالمدن وأحيائها،وبالتجمعات وطرقاتها،وبالساحات وكراجاتها،بالمسالك وتعرُّجاتها…ولما أمعن فيهم خسارة،وإستنزف منهم ما استنزف،تعرض للإعتقال،فامضى في المعتقل أكثر من عام،وقبل أن ينهي مدة إعتقاله،إندلعت انتفاضة الاقصى،وإمتدت نارها لكل الارض الفلسطينية،الأمر الذي شَدَّ إهتمام علاء بقوة،وأصبح يَعُدُ الايام يوما بيوم،وساعة بساعة،ليخرج من السجن،ويفعل شيئا شغل فكره وتمناه منذ زمن طويل…
* عاد علاء للمخيَّم،بعد أن صبر لأسابيع،حاول خلالها استشراف العمل المقاوم ونواته الصلبة،كان سهلا ًعليه أن يصبح شبلاً مرافقاً لحلقة من حلقات الفعل المقاوم الذكيّ الذي يوظف كل تجاربه وفطنته في المقاومة دون أن يجعل من عناصره صيدا سهلا للمحتل،لا بل أن هذه المجموعة التي بدأ علاء يتفيأ ظلالها ترفع شعارا تطبقه بإصرار،وهو أن أيُّ عضو يريد الإنتماء لها،يجب أن تكون بطاقة عضويته قتل جندي أو مستوطن،كما أن أيُّ عنصر يرتقي منهم يجب أن يقوم الباقون بشكل جماعي أو فردي بالثأر له،كنوع من فرض الكفاية أو فرض العيّن،مهما كانت النتائج،من أجل ردع المحتل من التمادي في الدم ألفلسطيني.
راق لعلاء هذا الواقع،فأصبح لا يُغادر رموز هذه المجموعة والتي كان أحد أقطابها الشهيد زياد العامر…دقق علاء طويلا في أسلوب عمل زياد وحماسته وحزمه وعزمة وشدَّته،فوجد أن المكنون الذي يسكن بداخله يتطابق كثيراً مع نزعته هو،فهنا تضحية وشجاعة وحسم وحزم وتفاني،لا يوجد بحث عن الذات،ولا مكان للاستعراض،هنا مقارعة دموية ترفع تلك المجموعة في تحدي دولة تعتز بغرورها وما ملكت يمينها من سلاح لا يقارن به سلاح في المنطقة،هنا يقظة مقابل أحدث ادوات واساليب التتبع والامكانيات والقدرات الهائلة…هنا إرادة وتصميم يجعل الرؤوس قادرة على مصادمة الفولاذ …هنا كل ما يمكن أن يكون في الثائرين ووقفتهم في هذه الصحراء مكشوفين أمام أعتى الجيوش،مستعدين لكل التوقعات والمواقف،إلا أن يستسلموا،أو يرفعوا الراية البيضاء…
هذا الذي كان يبحث عنه علاء،يبحث عن شيءٍ يطابقه موجودٌ وحيٌ أمامه،فكان لا بد من العمل…لكن بصبر ورَويّة…لأن هذه المجموعة التي قال عنها الاعلام العبري ذات مرة “إنها مجموعة صعبة الإختراق”،ضالته،ولا بد من الانصهار بها،والتتلّمُذ على يد رموزها…
* نال بطاقة العضوية برأس الجندي الاسرائيلي “لئور عطية”،كانت الايام قد مرت على استشهاد الشاب المقاوم أسامة نغنغية…كان علاء صديقاً للعائلة…شأنه شأن الكثيرين من المقاومين الذين لم يكونوا يبرحوا منزل الشهيد أسامة…أيام وأسابيع مرَّت وما زال الوطن ينضح بالشهداء والإحداث…في هذا الصباح بيت الشهيد أسامة تصدح فيه أغنية المطربة السورية أصالة نصري ” فلسطين عربية “…وصلت لمقطـــــع ” شهدائنا قوافل وعزمنا إيمان…ما نركع لسافل…وما نهاب اعتقال… “،هذه الكلمات كانت مثيرة للنوازع الداخلية في النفس،والرغبة في الانتقام وأخذ الثأر…وشرارة التحرك الاول…لا بد من إذاقة المحتل من نفس الكأس الذي أذاقنا وما زال يذيقنا منه كل يوم،وفي كلِّ مواقع الصدام…جاء الخبر…هناك جندي اسرائيلي من العفولة،يريد القدوم الى حاحز الجلمة والطريق المؤدي لمستوطنتيّ “جنيم وقديم”،من أجل الحصول على قطع سيارات بقصد والتجارة والربح…خف علاء على الفور الى المكان … َرَصَدَه…ونصب له فخاً محكما للايقاع به،فإستدرجه بحنكة وذكاء،فإستجاب ذلك الجندي الطامع في المال وهو في حالة من الثمالة،وغامر بالقدوم،فالقى القبض عليه وكان لا زال يلبس بزته العسكرية،سأله علاء :-
أين كنت تؤدي خدمتك العسكرية ؟؟
فرد الجندي :- عند قبر يوسف شرق نابلس
تذكر علاء كم ارتقى من الشهداء في الاشتباكات التي جرت هناك قبل أيام،فإستل مسدسه الذي كان قد اتباعه من مردود بيع بعض السيارات التي كان يغتنمها،واطلق عليه النار حتى أرداه قتيلا،وتركة بسيّارته وعاد للمخيَّم وقد أروى سلاحة ببعض الثأر.
* هذه البطاقة التي حصل عليها،أهلته لحمل السلاح والاندماج العلني في النواة الصلبة للانتفاضة المسلحة في المخيم،بل أكثر من ذلك فقد شعر أن طريقه أصبح الان بإتجاه واحد ذا نهايتين حتميّتين،إما الاسر والاعتقال المؤبد،واما الشهادة،فكانت نفسه المتمردة تميل للخيار الثاني كلما تذكر ايام السجن،وما جرى لشقيقه الذي يمضي حكما بالمؤبَّد ثلاث مرات،وكيف خلق هذا الاعتقال لوالدية وذوية العذابات والمعاناة،فغيّر كلَّ مناحي حياته،فقد أصبح مطلوبا مطاردا في ظل من النار المتأججة من حوله،ولا بد من المسير في هذا الدرب حتى النهاية…
وأمام استمرار الاجرام المحتل بحق الشعب الفلسطيني،كان لا بد مِنْ مَنْ حلموا السلاح أن يذودوا عن حمى هذا الشعب،ويذيقوا المحتل بعضا من الجراح والاوجاع….
ورغم أنه لا يهتم ولا يتابع الامور السياسية كثيرا،ولا يأبه لها،فقد أغاضه حضور مدير المخابرات الامريكية ” جورج تنت ” الى المنطقة،ولقاءه مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات،وممارسة الضغط عليه من أجل تحقيق وقف لاطلاق النار دون مقابل،هذا الامر أثار سخط علاء ومن معه،فأرادوا أن يرسلوا رسالة للقيادة الفلسطينية التي بالرغم من أنهم كانوا يحترمون نضالها،لكنهم ملّوا من الوعود الامريكية الجوفاء،وخداعها الكاذب،فعرفوا أن عصر اليوم سيكون لقاء “تنت” الثاني مع “ابو عمار”،فقرروا تنفيذ عملية في نفس الوقت تصفـــــــــــــــع
” تنت “على وجهه…
ذهب علاء ومعه ” علاء ” آخر الى الطريق الالتفافي الذي يربط حاجز الجلمة بمستوطنتي “جنيم وغانيم” الواقعتان غرب مدينة جنين،تسللوا بحذر بالغ قبل الخروج للشارع،فهناك أكثر من نقطة مراقبة عسكرية تتحصن في دبابات من نوع “مركفاة 4″على طول الطريق،بالاضافة لنقطة مراقبة ورصد في أعلى مكان في المستوطنتين المرتفعتين (جانيم وغانيم ) تجعل الطريق المذكور الممتد أمام نيران رشاشاتها الثقيلة…مع ذلك كمن علاء ورفيقه في مكان قريب من الشارع،وعندما شاهدا قدوم سيارتين للمستوطنين،تقدما بسرعة الى وسط الشارع،شاهرين سلاحما نحو السيارة الاولى التي كانت مسرعة،حاولا اطلاق النار،فكان سائق السيارة الاولى هي سيّدة مستوطنة،فتردد علاء في اطلاق النار لانها إمراة،ففزعت المستوطنة لما رأتهما،وكادت سيّارتها أن تنقلب من فرط السرعة والذعر…كانت المسافة بين السيّارتين تقريبا خمسون مترا،قال علاء في نفسه :-
لن تنجوا السيارة الثانية من رصاصنا…وما أن اقتربت السيَّارة الثانية التي كانت مستوطنة تقودها أيضا،حتى أمطرها بالرصاص،فإنحرفت الى جانب الطريق،فتقدم علاء وأجهز عليها،وانسحب بسرعة من المكان.
* في الاجتياح التمهيدي الفاشل الذي قام به جيش الاحتلال لمخيَّم جنين في نهاية شباط وبداية آذار من عام 2002،قاتل علاء ضمن حلقة مغلقة تقريبا والسبب أن المخابرات الصهيونية تضعه ضمن قائمة المطلوبين للتصفية،وإستطاع بفطنته أن يتحرك ويقاوم برفقة آخرين منذ اليوم الاول للتصدي والذي كان فضاءه متسعا على إمتداد مساحة المخيَّم،إلى اليوم الخامس الذي توغلَّ فيه الجيش المحتل إلى قلب الكثير من الحارات والاحياء،وأدت المعارك في ذلك الوقت الى مقتل ثلاثة جنود اسرائيليين،وإرتقاء احدى وعشرين شهيدا وشهيدة معظمهم من المدنيين،فإنسحب الجيش المحتل فجأءة دون مقدمات،وخرج المقاتلون يقرأون تلك التجربة،ويحددون بوصلة القادم من التحدي،خاصة وأن هذا المخيَّم وبكل تشكيلاته المقاومة أحدث ثغرة في نمط المواجهة مع المحتل القائم في الغالب على تسجيل الانتصار لجيش الاحتلال،فكانت مواجهة شهر آذار حافزا ومبشرا بإمكانيّة صنع صمود أكبر،وتحدٍ أكبر،ولا بد من التحضير له من الآن،فالمعركة لم تنتهي،والمواجهة لم تبلغ أشدَّها بعد.
علاء الذي لا يميل للاضواء،أخذ يعد للقادم بكل أبعاده،بالتجهيز والتحضير،سواء على الصعيد الشخصي والخاص،أو على الصعيد التنظيمي،أو على صعيد التعاون مع باقي الفصائل تحت ظل الوحدة الوطنية المتشكلة روحا وجسدا في الميّدان،فعلى الصعيد الشخصي،تمكن من الحصول على هوية مزورة تحمل اسم احد اقرباءه القريب منه في الشبه،وأخفى ذلك عن اقرب المقربين اليه،وعلى الصعيد التنظيمي،حصل على القاذف الصاروخي الوحيد في المخيَّم من نوع (ار.بي.جي) بمساعدة القائد العسكري يوسف ريحان “أبو جندل “،وبقذيفه واحدة يتيمة،وإتفق معه أن يكون له الشرف في استخدامها في المعركة القادمة بحضوره.
* مساء الثالث من نيسان،الجو ماطر ومعتم بالرغم من الاضواء الكهربائية الكاشفة،الاخبار تتوارد عن تقدم عشرات الدبابات من كل المحاور تجاه جنين التي أطلق عليها الاعلام العبريّ ” عش الدبابير”، واطلق عليها الفلسطينيون والعرب “عاصمة الاستشهاديين”،علاء يتنقل في أكثر من حيّ،يتواصل بجهاز الارسال مع ابو جندل والعامر وطوالبة والحلوة…هناك اجتماع هام وعاجل لتلك القيادات بوجود علاء أيضا…تحرَّكوا نحو المكان بحذر خوفا من تسريب معلومات وكشفهم وقصف المكان من قبل الطيران المعادي…دخل علاء… وصمت طويلا كعادته وهو يستمع للنقاش المستفيض عن الخطة التي سيضعها أولئك القادة…
سأله أبو جندل :- أسمعنا صوتك يا علاء…
قال علاء بنبرته الخجولة المتواضعة بعد أن أنهى جرعته الاخيرة من سيجارته :- يجب أن يكون توزيع المقاتلين حسب حاجة كل منطقة وحيّ،وليس على أساس تنظيمي…أنا مع دمج المقاتلين وتَنوِّعهم،والابقاء على حرية الحركة للقادة… فنحن الان بدون فواصل في هذه المعركة المصيرية،والدمج سيشد معنويات الجميع…
أثنى أبو جندل والعامر على قول علاء…وأجملوا الخطة،وشرعوا بالتنفيذ،فخرج علاء بصفته من القادة المحتركين إلى حارة الدمج التي لا يساوي عمقها المئتيّ متر بعد أن سدد قذيفة “الاربي جي” اليتيمة في المعركة على الجرافة العسكرية العملاقة في قلب ساحة المخيَّم،ثم انتقل الى حارة الدمج تلك الحارة التي صمدت ثلاثة أيام قاسية من المواجهات الشرسة،بالرغم من قصف الطيران المروحي والقناصة والدبابات الثقلية والجرافات العسكرية الضخمة المرتفعة من نوع “دي 9″،فكانت الجرافات المحصنة تدخل عشرات الامتار ،فتعود تتقهقر من فعل التصدي البطوليّ من قبل المقاتلين،حتى اليوم الرابع،الذي شهد تقدم للقوات المحتلة، واحتلال مسجد الانصار الواقع في قلب ذلك الحيّ والمشرف تماما على حارة الحواشين،ليكون نقطة هامة في السيطرة النارية على القسم الاكبر من حارة الحواشين…
علاء الذي لم يُرهقه قتال الايام الأربعة،عاد بعد تراجع لمنزل أبو حطب الفارغ من السكان،ذلك البيّت الذي يقع على بعد أمتار من مسجد الانصار الذي تحوّل لثكنة عسكرية…
كَمَنَ هناك برفقة أحد المقاتلين بصمت بعد أن كان قد فتح فتحة صغيرة في الجدار سابقا تطل على الطريق الرئيس في الحارة ،استعدادا لهذه اللحظة،وطلب من صديقه أن لا يحدث ضجيجا،فسأله ذلك المقاتل:-
ماذا تود أن تفعل ؟؟
قال :- هذا التقدم الذي حدث،سيدفع بإدخال مشاة الى الحيّ لتفتيشة وتمشيطه،وستكون فرصة مواتية لايقاع الخسائر بهم…
وطلب من رفيقه تعبأة زجاجة ماء كبيرة له على الفور،فلبى زميله ذلك،وأحضر له الماء من مطبخ ذلك المنزل،فقام علاء بصب الماء في الفتحة بهدوء حتى لا يحس به أحد … قليلٌ من الوقت،بدأت مفرزة من المشاة التقدم نحو منحدر الحيّ صوب حارة الحواشين،رأهم علاء،فوضع فوه سلاحه في الفتحة،وسدد نحوهم بتركيز،وانتظر حتى مرَّ الاول،ثم الثاني،ثم الثالث،ثم الرابع،فشرع بإطلاق النار عليهم واحدا تِلْوَ الاخر،فجنّدلهم الاربعة،وهم لا يعلمون من أين تأتيهم النيران..تقدم طبيب عسكريّ يرافقهم لاسعاف أحدهم،فأجهز عليه بالحال،وعندما لاحظ أن طائرتيّ الاباشي اللتان تتمسمران في السماء قبالة المكان قد هيئتا نفسيهما للقصف،صرخ بصاحبة أن إنسحب فورا،وما أن إنسحبا نزلا،وفرا من الباب الخلفي الغير مكشوف للقوة المحتلة والطائرات حتى نزلت الصواريخ على ذلك المنزل،فذاب علاء في الحواري الخلفية المجاورة،تاركا خمسة من القتلى الجنود تحدثت عنهم الصحف ومحطات التلفزة الاسرائيلية لاحقا،وذكرت المكان والكيّفية التي قتلوا بها.
* أسر علاء بهوية مزوَّرة،وأدْخِلَ السجن،وتعرض للتحقيق الاولى الذي كان المراد منه كشف هوية الاسرى، تمسك بأنه صاحب هذه الهوية التي يمسكها المحقق،فشعر علاء ومن معه من الاسرى الذين كانوا بالمئات أن المخابرات الاسرائيلية عاجزة فعلا عن تحديد هوية بعض الاسرى،حتى أنهم استدعوا ضباط مخابرت قدامى اشرفوا على قيادة منطقة جنين قبل قدوم السلطة لتشخيص هوية الاسرى،مع ذلك لم يفلحوا،وتم تحويل علاء (بإسمه الجديد) الى سجن عوفر ضمن مئات المعتقلين،وأمضى هناك ثمانية عشر يوما،ثم افرج عنه،وهو لا يكاد يصدق ما جرى،حتى عاد إلى المخّيَّم من جديد،ليرى حجم الدمار الهائل الذي اصابه،ويقرر ان يبدأ مرحلة جديدة من المقاومة والمطاردة،فقد شعر أن في رقبته دينٌ لمن مَضَواْ شهداء،وأن المدن الفلسطينية التي كانت ممنوعة على المحتل ستكون الان مستباحة،وسيبقى هو هدف من اهداف الغدر الصهيوني…
قرر أن لا يتواجد في مكان دائم،وأن يبيت في مكان لايخطرعلى بال ومتابعات أعين المخابرات الصهيونية،ومن بين الكثيرين الذين عرضوا عليه المساعدة في الاختفاء،إختار بيت “ابو احمد” البعيد عن الشبة والتوقع،وكان يذهب اليه ليلا عبر الازقة الفرعية،وينزل عليه من أسطح بعض المنازل احيانا،لينام أو يأخذ قسطا من الراحة،ويتناول الطعام والشراب،ثم يعود للميّدان،بعد أن أصبح مع بعض الشبان قادة المرحلة الجديدة من المقاومة…مرحلة ذات مسؤولية وأعباءٍ كبيرة…
في تلك الفترة،إطمئن كثيراً لبيت “أبو احمد”،وحتى لا يُلفت “أبو احمد ” الانتباه،كان يخرج أحيانا لعمله على العربة كالمعتاد،فيأتي علاء لمكان نومه في مواعيد غير محددة،الامر الذي خلق فرصة أن يشاهد شقيقته رهام صدفة،والتي كانت في سن السابعة عشر من عمرها…لم تكن تعلم بوجود مطارد يبيت في الغرفة الجانبية من منزلهم،فصدمت عندما رأته…وأسرعت لزوجة اخيها لتبلغها عن ذلك الرجل الغريب…فأغلقت “أُم احمد” فمها،وقالت لها :-
إنه ضيفنا… وهو مطلوب… وإذا أحس أحدٌ به هنا،قد يصل ذلك لليهود فيقومون بتصفيته،وربما هدم البيت على رؤوسنا…إياك أن يعلم أحد بذلك.
كان وقع الكلام على رهام ثقيلا…وشكّل منعطفا من الاهتمام خاصة وأنها تحب العمل المقاوم،ولطالما كانت تصلي وتدعوا السلامة لابناء مخيَّمها وشعبها…
في بيتنا رجل…قالت في نفسها…وأيُّ رجل…إنه مقاتل…علمٌ من أعلام المقاومة…لقد أسرَّ لها شقيقها ببعض ما يعرف عنه…وأوصاها بكتمان الامر…
أصبح حضور علاء لبيت “أبو احمد”الشغل الشاغل والاهتمام الاكبر لرهام،ومع الايام،تحرَّك بداخها إحساس جميل تجاهه…
وكلما كان الاحتلال يُقْدِمُ على اغتيال مقاوم مطلوب أو مطارد،يخفق قلبها بقوة خوفا على علاء…علاء الذي شعر بشيء من المشاعر تلك الفتاة إتجاهه،لكن حياءه الفطريّ،وعفته الاصيلة،ورجولته المتجذرة،منعته من أن يصدق ذلك،أو أن يتصرف بطريقة لا تناسب تربيته واخلاقه وإخلاصه المطلوب تجاه العائلة…
إحتار مع مرور الوقت بهذه المشكلة التي أصبحت تأرقه،فذهب لاحد الاصدقاء أصحاب التجربة والخبرة وسأله عن التصرف الامثل في مثل هكذا حالة.
سأله ذلك الصديق:- هل تجد في نفسك مشاعر تجاهها ؟؟
صمت قليلا قبل أن يحيب وقال : لا أعرف هل هو احساس حقيقي،أم هو بدافع الحالة التي أعيشها.
فقال له ذلك الصديق:- إذا أنت تبادلها نفس الشعور…ولا بأس أن تقترن بها …
رد علاء بإستغراب :- قصدك أن أتزوج ؟؟
قال له الصديق :- وما المانع…؟؟ بالعكس سيعطي لك ذلك طعما خاصا…يا صديقي كلُّنا مسافرون على هذا الدرب…وجميل أن نُفرحَ أهلنا أو ننجب طفلا يكون لنا ذكرا في هذه الدينا بعد رحيلنا أو إعتقالنا… توكل على الله …وأنا ساتحدث مع أهلك…وأنا متأكد أن أهلك سيفرحون بهذا الخبر،فهم لم يفرحوا منذ اعتقال أخيك محمد قبل إثني عشر عاما…
* بعد أن إقتنع علاء بقول صديقه،تعلَّق برهام أكثر،وقرر خطبتها،وكان وَقْعُ ذلك على أهله جميلا ومفرحا، بالرغم من القلق والخوف والترقب،تمت مراسم الخِطبة والزواج على نطاق ضيّق،وكذلك الزفاف،كان أشبه بمطاردة بحالها هو الاخر…تزوج علاء في أحد بيوت المخيَّم،تحت حراسة مقاتلين متخفين قلائل…وبعد أيام من أيام “العسل” المقــــاوم…وحذر لا يتوقف،عاد علاء الى ميّدانه،وذهبت رهام الى بيتها التابع لبيت العائلة لتعيش سنواتها بينهم…
علاء كان قد تعرّف على كل من المجاهد المطارد عماد النشرتي قائد كتائب عز الدين القسام في شمال الضفة بعد إرتقاء قيس عدوان…كما كان قريبا جدا من أصدقاءه المطاردين زكريا الزبيدي ونضال النغنغية وعبد الله الوحش وحسام جرادات وخليل مصباح وغيرهم،الذين بدأوا مشورا جديدا في المقاومة حتى لا يصمت صوت المخيَّم…
بالقابل،لم تهدأ الحملات العسكرية،والاجتياحات المتواصلة في تَقَصُدِهم،وملاحقتهم،ومحاولة القضاء عليهم أو إعتقالهم،سواء القصيرة منها أو الطويلة،فكانت فطنة علاء ومن معه تذهب إلى عدم التحرك الجماعي،حتى لا يكونوا صيدا سهلا من جانب،ثم أن علاء كان في بعض مراحل الاجتياحات التي كانت تطول،يذهب هو وواحد من رفاقه المطارين في إتجاه بعيد عن تركيز البحث والمتابعة الحثيثة،حيث كان يغادر المخيَّم عكس إتجاه الاجتياح،والتي كان منها أنه تمكن هو واحد رفاقه ذات مرّة من الاختباء في حانوت تجاري في قلب سوق المدينة،ليكون بعيدا عن الانظار والتوَّقعات،وهناك طال منع التجول الشديد والمُحّكَم،فقد رابطت إحدى الدبابات قرب ذلك الحانوت،فشعرا بالجوع والعطش،ولم يكن بمقدورهما الخروج أو طلب ذلك الامر من البيوت والعائلات،لانهم بعدين عن أي عمارة سكنيّة،فما كان من علاء إلا أن بدأ في فتح ثغرة في جدار الحانوت بواسطة زاوية حديدية وجدها في المكان،بعد أن حدد أن الحانوت المجاور هو سوبرماركت يملكه معلمٌ معروفٌ في مدرسة الوكالة التي تعلَّم فيها،وبعد جهد دام يوم وليلة،تمكن من فتج ثغرة في الجدار،والتسلل لقلب السوبرماركت،وأخذ منه حاجته وحاجة رفيقه من الطعام والشراب،وعندما رفع حظر التجَوُّل،وإنسحب الجيش المحتل من المدينة والمخيَّم،قام علاء بوضع مبلغ تقديري ثمنا للطعام والشراب الذي استهلكه،وكذلك مبلغ تقديري لصاحب كلتا الحانوتين لاصلاح تلك الثغرة،وكتب رسالة اعتذار لهما،قال في نهايتها :-
إن لم يكن هذا المبلغ كافيا،فهذا رقمي وانا جاهز لاي مبلغ تطلبانه ولكن سامحوني.
ووقَّع اسمه في أسفل الرسالة التي لا زالت محفوظة لغاية الان في إطار في صالون بيت المعلم صاحب السوبرماركت.
وفي صورة أخرى من التضحية والفداء الفريديّن،حدث إجتياح للمخيَّم والمدينة،فإختبأ علاء هذه المرّة مع المطارد قائد سرايا القدس حسام جرادات في بَهْوٍ لبيت صغير،وكان جرادات يخبأ في هذا البَهْوِ أيضا عبوَّة كبيرة،وكأن قوات الاحتلال بعد عدة أيام إنتبهت لوجد مطارد أو اكثر في هذا البيت،ففرضت طوقا مشددا عليه،وأخذت تنادي مَنْ في المنزل للخروج فورا،وهددت بقصف المنزل على من فيه،فخرج أهل البيت منه،وبقيَ حسام وعلاء…الوقت يمضي،والجيش المحتل مُصرٌّ على خروج كل ِّ من في البيت،وقد أعطى الجيش المحاصر مهلة صغيرة لتفجير المنزل،لحظات صعبة وقاسية على كلا المطاردين…لا بد من التضحية قال حسام…
سأله علاء :- كيف؟؟
قال حسام :- أخرج أنا وأسلم نفسي…وعبوتي…وأنت تختبأ في جُحْرٍ صغير يقع داخل إحدى حزائن المطبخ…
قال علاء:- ولِمَ تفعل ذلك ؟؟
قال حسام :- إن إعتقلت،فإعتقالي لن يطول…سنوات قليلة وأخرج من السجن…أما أنت فوضعك أصعب بكثير…
إقتنع علاء بصمت،وودع حسام بعناق ٍ إمتنان الابطال،فخرج حسام بعدها من البَهْوٍ رافعا يدية وهويتحدث معهم باللغة العبرية بصوت عال…
سألوه… هل معك أحد ؟؟
قال :- لا … فقط هناك عبوة ناسفة في المكان …
تقدم منه عدد من الجنود،وألقوه أرضا،وأوثقوا رباطه،وقاله له ضابط منهم :-
أدخل معنا الى مكان العبوّة…
ففعل وأشار اليها، وهو ما زال يحدثهم بطلاقة وسرعة وصوت مرتفع حتى لا يلتفتوا إلى ذلك الجُحْرِ الذي يكمن فيه علاء،ثم خرجوا بعد مسح سريع للمكان،وبذلك تمكن حسام من إنقاذ علاء بتضحية فريدة.
* أشهر مرت على زواجه ليفاجأ بخبر مفرح مفاده أن زوجته حامل،وانه أصبح ينتظر مولودا،كانت فرحة كبيرة لعلاء…رفع يديه إلى السماء ودعا قائلا : يا رب مَكِّني من رؤية ولدي وبعد ذلك خذ أمانتك…
لقد تمكَّن علاء من البقاء حرا طليقا مطاردا حتى نقلت زوجته الى المشفى بحالة وضع،لم يُطِقْ الجلوس في مكان،ولم ينزل هاتفه النقال عن اذنه ولو لدقيقة واحدة…كلما إنتهت مكالمة عاد واتصل بشقيقاته ليطمئن هل جاء زياد إلى الحياة أم لا؟؟…فقد قرر أن يسمى مولوده البكر القادم زياد تيمنا بقائدة زياد العامر الذي ارتقى في عزّ إجتياح المخيّم في نيسان من عام 2002.
ساعات عصيبة من الانتظار،فرَّجَ بعضا منها مكالمة قالت أنه قد حضر،فما كان منه إلى أن سحب اقسام سلاحه،وأطلق صلية من الرصاص ابتهاجا فشاركه رفاقه واصدقاءه بنفس الالحان بالرغم من أنه كان يكره الاطلاق العبثيُّ في الهواء،أخرج من جيبة رزمة من النقود وعدَّ كثيراً منها وقال لمجموعة من الشبان :-
إذهبوا لسوق المدينة حالاً،وأحضروا لي ما لذ وطالب من الحلويات…وأرسلوا قسما منه للبيت،وبيوت الارحام والاصدقاء،ولا تنسواْ أن تأتوا بكمية كبيرة إلى هنا…
وعندما حضر المطلوب،أخذ يوزع الحلوى على المارَّة من الناس،وطلاب وطالبات المدارس العائدين إلى منازلهم…على أصحاب الحوانيت… وجهاز الجوَّال لا ينزل عن أُذنه وهو يستفسر عن وقت عودة الام والطفل والعائلة من المشفى…
لقد خفَّ من شدة فرحة الى باب البيت رغم الاخطار في إنتظار زياد… فلحق به رفاق دربة يحرسونه حتى لا يكون صيدا سهلا للمحتل…
بعض الوقت حضر زياد،فدخل الي البيت ومن معه وجلسوا جميعا في صالة المنزل،فأحضرت أم محمد “زياد ” له فحمله،ووضع أنفه على رقبته وشمَّه بشدة وشوق غامرين…ثم شرع يلثمه بالقبل،وأخذ يطوف به على الاصدقاء الواحد تِلْوَ الاخر في حالة فرحة غامرة،فقام رفاقه واصدقاءه بتغطية ” زياد ” بما جادت به أنفسهم ببعض النقوط،بعضهم أضاف مع النقود حبّات الرصاص على سبيل المزاح والمداعبة…فبكى “زياد”عندها…أخذته جدته إلى أمه لترضعه،وتسكت بكاءه.
* كان علاء بنشاطه وعملياته التي قام بها ويخطط لها،خاصة إلى جانب صديقه عماد،قد قفز الى سلَّم الاهتمام والاولوية على جدول المخابرات الاسرائيلية لجهة التصفية،خاصة بعدما كان يُشاع ويتردد أن هناك على ما يبدو انذارات ساخنة تفيد بأن عمليتين فدائيتين ستخرجان من جنين قريبا،وأن إحداها لكتائب الاقصى التي يتزعمها علاء،و الثانية لحماس والذي يتزعم جهازها العسكري كتائب عز الدين القسام في شمال الضفة عماد…
كان السبب الحقيقي لسرعة التحرك ضد هذان الاثنان بالضبط،ما يتردد من انذارات ساخنة،وما يرد عبر التنصت على جهازيّ النقال والارسال لعلاء عندما يطلب منه البعض البعيد،خاصة اصدقاءه في سجون الاحتلال من “حلوان ” بمناسبة قدوم وليّ العهد زياد…
ضبَّاط المخابرات الاسرائيلي،توقعوا أن تكون العمليتين اللتان ربما تخرجان من منطقة جنين إما باحزمة ناسفة،وإما بسلاحيّن نارييّن…لكن الاتصال الاخير الوارد من جنين لخبير المتفجرات في غزة،والمحسوب على القسام،تفيد أنه سيقوم بتلقين المكلفيّن بخطوات صنع الاحزمة…هذا ما حلَّله الجهاز من خلال الكلمات بين الجهتين،وأن الموعد لتنفيذ الصناعة هو مساء الاثنين الموافق 25/11 /2002…
قال مسؤول جهاز الشباك والمشرف على الاغتيالات :-
لا بد من وضع خطة مركبة لضمان النجاح في القضاء على رأسي “الارهاب” في جنين
وتابع قائلا :- يجب أن تكون الخطة مركبة من ثلاثة أطواق،الاول أن نقطع الاتصال بالخبير في غزة،وندخل نحن بنبرة صوته عبر التقنيات المتطوَّرة،ونُلَقِّنْ عماد وعلاء كيفية صنع الحزام بطريقه عسكية حتى ينفجر بهما…
اما الطوق الثاني،في حال فشل وإكتشاف الطوق الاول،تكون هناك وحدات خاصة مستعربة قريبة من المكان تنقض عليهما وتقوم بتصفيتهما ومن معهما…
أما الطوق الثالث،فسيكون من الجو…لا بد من إخفاء صوت طائرتيّ أباتشي بصوت طائرة حربية مقاتلة،حتى إذا تعذر الطوق الاول والثاني من القيام بالمَهَمَّة،تُفَعَّلْ طائرات الاباتشي أو حتى المقاتلة بقصف المنزل على من فيه .
* في الليلة الموعدة،وقبل أن يلتقي علاء برفاقه للتحضير للعملية المزدوجه،توجه بمفردة لبيت”أبو محمد ” الذي كان يبيت فيه بعض الاحيان،وطلب من “أبو محمد”ان يتسلم منه مبلغا كبيرا من المال،وفي حال حصل له أي مكروه،أن يكون هذا المبلغ خالصا له،أي لــ”ابو محمد “، لكن أبا محمد رفض بشدة وقال له :-
سلمك الله من كل مكروه …بيتي مفتوح لك كل حين …لكن المال أرجوك أن تبعدني عنه…
إحترم علاء رغبة “ابا محمد”،وذهب عند التاسعة مساء إلى رفيقه لاتمام المهة،حيث تجمَّع إحدى عشر مطاردا في بيت زكريا الزبيدي شبه المدمر،علاء وعماد منهمكان في العمل،يتواصلان عبر جهاز الارسال مع صاحبهم في قطاع غزة…علاء لا يستطيع العمل والتركيز في ظل الاحاديث الجانبية،بالاضافة لخوفه من حدوث مكروه يؤدي الى كارثة حقيقة بين قادة المقاومين في المخيَّم،خاصة وأن تقطعا حصل في الاتصال مع الخبير الغزيّ،فطلب علاء من الباقين التسعة النزول للطابق الارضي،وترك المكان له ولعماد،فإنصاعوا ونزلوا إلى الطابق الارضي،وجلسوا على مدخل البيت لبعض الوقت…
وكأن خطة الطوق الاول قد نجحت،فقبل أن يكتشف علاء وعماد ذلك الاختراق،كان الانفجار الكبير يدوي بين أيديهما،محدثا دويا كبيرا وغمامة من السحاب الابيض ملئت المكان الذي تطايرت من الحجارة وقطع الاسمنت بعيدا،فهرع الشبان التسعة الذي ينتظرون على باب المنزل تفرقا في غير إتجاه،وبعدما افاقوا من الصدمة،حيث ظنوا في البداية أن البيت تعرض للقصف من السماء،وأن القصف سيتواصل،،فإنسحبوا قليلا ثم عادوا،ليجدوا كلا من عماد وعلاء قد طارا بعيدا عن المكان الذي تركوهم فيه،وقد مزَّقت أجسادهم بفعل الشظايا وعصفِّ الإنفجار،وسالت الدماء من كلِّ جزء في جسديهما…
قليل من الوقت،إنسحبت الدبابات وناقلات الجند التي دخلت المخيَّم،وغادرت الطائرات الثلاث سماء المخيَّم،فنقل جثمان عماد وجسد علاء للمشفى،عماد كان مرتقيا،وعلاء وصل قسم الطواري في أنفاسه الاخيرة،وما أن حاول أطباء الاستقبال في مشفى جنين إنعاش قلبه،حتى فاضت روحه إلى بارئها…
وفي اليوم التالي الذي صادف السادس والعشرين على ميلاد زياد،وكانت مراسم زفاف والده و صديقه عماد الى الجنَّة،بعد أن لبَّى الله دعوته ليرى مولوده بأم عينه،قبل أن تعود الامانة لصاحبها مُكلَّلة بالنور،محاطة بالحور،تسير بجراح المسك على درب من الزعفران والبلّور.

