
كشفت صور أقمار اصطناعية حديثة عن تنفيذ جيش العدو الصهيوني عمليات هدم منهجية واسعة طاولت مئات المباني في شرقي مدينة غزة وحي الشجاعية، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وأظهرت صور التقطها قمر اصطناعي تابع لشركة (Planet Labs)، وقورنت بصور أُخذت بعد أيام قليلة من بدء وقف إطلاق النار، أن مباني كانت قد تضررت خلال الحرب جرى تسويتها بالكامل بالأرض لاحقًا بواسطة آليات هندسية تابعة للجيش الصهيوني.
ووفق ما أوردته صحيفة “هآرتس”، اليوم الاثنين، امتدت أعمال الهدم على مساحة تُقدّر بمئات الدونمات شرقي ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو خط الانسحاب الذي تمركزت عنده القوات الصهيونية عقب وقف إطلاق النار.
وذكرت أن عمليات الهدم تزامنت مع ظهور خمسة تجمعات خيام جديدة للنازحين الفلسطينيين خلال الأسابيع الأخيرة، تضم كل منها عشرات إلى مئات الخيام. وأُقيم اثنان من هذه التجمعات قرب محور “نيتساريم” جنوبي مدينة غزة، فيما انتشرت ثلاثة تجمعات أخرى شمال المدينة وعلى مقربة من شاطئ البحر، في مناطق ما زالت خاضعة لسيطرة حركة حماس.
وكان نحو مليون فلسطيني يقيمون قبل الحرب في المناطق التي باتت خاضعة للسيطرة العسكرية الصهيونية، لا سيما في شرقي مدن غزة وخانيونس ورفح. ولا يُتوقع أن يتمكن هؤلاء من العودة إلى منازلهم في المدى القريب، ما يفرض عليهم الإقامة في خيام أو مراكز إيواء مؤقتة، إلى جانب مئات آلاف المهجرين الذين دُمرت منازلهم كليًا ويقيمون في مخيمات نزوح.
وفي السياق ذاته، أظهر تحليل أجرته منظمة Forensic Architecture البريطانية، استنادًا إلى صور أقمار اصطناعية، أن الكيان الصهيوني أقام بعد وقف إطلاق النار 13 موقعًا عسكريًا جديدًا على طول “الخط الأصفر”، معظمها في شمال قطاع غزة وشرقي خانيونس.
وأضافت المنظمة أن عدد المواقع العسكرية التي أنشأها الجيش الصهيوني على امتداد هذا الخط بلغ 48 موقعًا داخل القطاع، إلى جانب توسيع شبكة طرق تربط بين هذه المواقع وبين مناطق داخل الخط الاخضر، وشق شارع جديد في منطقة خانيونس. كما أشارت إلى توسيع عمليات الهدم في خانيونس، وإزالة كميات كبيرة من الركام في رفح.
وكان مركز الأقمار الاصطناعية التابع للأمم المتحدة قد أفاد، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بأن قوات العدو دمرت خلال الحرب نحو 81% من إجمالي المباني والبنية التحتية في قطاع غزة، بشكل كلي أو جزئي. ووفق بيانات المركز، جرى تدمير 123,464 مبنى بالكامل، وتضرر 12,116 مبنى بشكل بالغ، فيما لحقت أضرار جزئية بـ33,857 مبنى.
وأضاف تحليل الأمم المتحدة أن الأمطار التي هطلت على القطاع خلال الأسابيع الأخيرة أدت إلى انهيار مبانٍ كانت متضررة أصلًا بفعل القصف، ما تسبب بسقوط ضحايا من السكان.
وذكرت هآرتس أن سياسة الهدم الصهيونية شهدت تحولًا لافتًا خلال الحرب؛ فبعد أن كانت عمليات التدمير تُنفّذ أساسًا عبر الغارات الجوية والعمليات العسكرية، بدأ الجيش الصهيوني، عقب احتلال رفح في أيار/مايو 2024، بتنفيذ هدم أحياء ومناطق كاملة بشكل منهجي، من خلال شركات مقاولات مدنية.
وبحسب تقديرات نقلتها الصحيفة، أدت هذه السياسة إلى تدمير ما يقارب 100% من المباني في رفح وعبسان وخربة خزعة وجباليا ومناطق أخرى. كما دمّرت إسرائيل نحو 80% من الدفيئات الزراعية، و87% من الأراضي الزراعية، و80% من الشوارع في القطاع.
ويقدّر خبراء أن حجم الدمار الهائل خلّف نحو 61 مليون طن من الركام في قطاع غزة، ما يفاقم الكارثة الإنسانية ويضع تحديات غير مسبوقة أمام أي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، قالت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين فرانشيسكا ألبانيزي، إن تكلفة إعادة إعمار غزة يجب أن يسددها الكيان الصهيوني إلى جانب الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا.
ولفتت ألبانيزي، إلى أنه لا يمكن فهم ما يجري في فلسطين إلا بالنظر إلى الماضي الاستعماري للمنطقة.
وذكرت أن “السبب الذي جعل كثيرين منا يستيقظون بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر (2023) ليس إصرار العديد من أصحاب السلطة على مواصلة هذه الوهم، بل ما يجب أن نتحدث عنه حقا هو بشاعة ما حدث خلال العامين الماضيين”.
وأوضحت المقررة الأممية أن “هذا الوضع هو انعكاس للهيمنة الثقافية”، مشيرة إلى أن الكثير من ممارسات الكيان الصهيوني تُعد امتدادًا للإرث الاستعماري البريطاني في فلسطين.
وخلفت حرب إبادة جماعية بدأها العدو الصهيوني في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بدعم أميركي، واستمرت عامين، أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 171 ألف جريح، ودمارا هائلا طال 90% من البنى التحتية المدنية، بخسائر أولية قدرت بنحو 70 مليار دولار.

