
تتجه أنظار الفلسطينيين بقلق بالغ إلى خارطة الهياكل والمجالس المعلنة لإدارة قطاع غزة في المرحلة الانتقالية، في أعقاب بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وبدلاً من تقديم تصور واضح ومتماسك لمرحلة ما بعد الحرب، تبدو هذه الأطر كخلطة عجيبة من المجالس واللجان المتداخلة الصلاحيات، ما يكرّس حالة من الالتباس المؤسسي ويعزز الانطباع بفرض وصاية أميركية مباشرة على القطاع تحت عناوين إعادة الإعمار والاستقرار.
وتستند هذه الترتيبات إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المؤلفة من 20 بنداً، والتي قدمت كإطار لإنهاء حرب الإبادة المتواصلة التي ترتكبها إسرائيل بحق سكان غزة، واعتمدها مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 2803 الصادر في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وتثير تشكيلة المجالس المعلنة، وما تحمله من ثقل لشخصيات أميركية ودولية معروفة بدعمها “لإسرائيل”، تساؤلات جدية حول حقيقة دور كل مجلس أو إطار، وحدود التفويض الممنوح له، ومدى انعكاس ذلك على قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم والتمتع بإرادة وطنية مستقلة.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مركزي حول قدرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة على القيام بدورها المفترض انطلاقاً من المصلحة الفلسطينية، في ظل هيمنة سياسية وقرار عملي لمجالس يطغى عليها النفوذ الأميركي وشخصيات ذات ارتباط وثيق بأجندات تتعارض مع الحقوق الفلسطينية.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات تتجاوز البعد الإداري إلى جوهر الصراع على من يمتلك القرار في غزة، وكيف يعاد تشكيل الحكم فيها في مرحلة توصف بأنها انتقالية، بينما تحمل في طياتها ملامح إعادة هندسة سياسية طويلة الأمد.
ووفق البيان الصادر عن البيت الأبيض فإن الهياكل السياسية والإدارية والأمنية المقترحة لإدارة قطاع غزة تضم ما يلي:
“مجلس السلام”
يعد “مجلس السلام” الهيكل الأعلى ضمن هذه المنظومة، ويقدم بوصفه مجلساً تنفيذياً مؤسساً برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويضم شخصيات دولية ذات خبرة في مجالات الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية.
ويفترض أن يستمر عمل المجلس حتى نهاية عام 2027، أو إلى حين تمكن “السلطة الفلسطينية” من استكمال برنامجها الإصلاحي واستعادة السيطرة على القطاع بشكل “آمن وفعال”.
ويضم المجلس في عضويته كلاً من ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، السير توني بلير، مارك روان، أجاي بانغا، وروبرت غابرييل.
ووفق البيان، من المقرر أن يتولى كل عضو الإشراف على حقيبة محددة تعد حاسمة لاستقرار غزة على المدى الطويل، تشمل بناء قدرات الحوكمة، إدارة العلاقات الإقليمية، إعادة الإعمار، جذب الاستثمارات، التمويل واسع النطاق، وتعبئة رأس المال الدولي.
وينص قرار مجلس الأمن على منح الدول الأعضاء المشارِكة فيه تفويضا لإبرام الترتيبات اللازمة لتنفيذ الخطة الشاملة الخاصة بقطاع غزة.
ويشمل هذا التفويض تنظيم الامتيازات والحصانات الممنوحة لأفراد قوة الاستقرار الدولية، إلى جانب إنشاء أطر وكيانات تشغيلية تتمتع بشخصية قانونية دولية، بما يتيح لها إبرام المعاملات المطلوبة لأداء مهامها.
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون، أن تشكيلة المجلس يغلب عليها الحضور الأمريكي الأمني والعسكري، بما “يعكس انحيازًا واضحًا في بنيته وشخوصه، إذ إن معظم أعضائه معروفون بقربهم السياسي والفكري من إسرائيل، وبانخراطهم المباشر في تبنّي رؤيتها الأمنية، مقابل غياب شبه كامل لأي تمثيل أو قرب حقيقي من الفلسطينيين أو من مقاربتهم السياسية والحقوقية”.
ورأى أن هذا الاختلال البنيوي لا يجعل المجلس غير متوازن فحسب، بل ينزع عنه منذ اللحظة الأولى أي صفة للحياد أو الوساطة، ويحوّله إلى إطار منحاز لا يمتلك أهلية إدارة مسار سياسي أو قيادة عملية سلام، مشددا على أن مجلسا تُصاغ قراراته بعقول قريبة من “إسرائيل”، ومنفصلة عن الواقع الفلسطيني، لا يمكن أن ينتج حلولًا عادلة أو قابلة للحياة.
والأخطر – وفق المدهون- أن هذا المجلس، في جوهره ووظيفته، أقرب إلى نموذج الوصاية السياسية المفروضة، لا إلى شراكة دولية أو رعاية متوازنة، منبها إلى أن الوصاية حين تُبنى على الإقصاء والانحياز تكون محكومة بالفشل، ولن يُكتب لها النجاح مهما امتلكت من أدوات ضغط أو غطاء سياسي، لأنها تتصادم مع حق الفلسطينيين في الشراكة والتمثيل، ومع قواعد الشرعية السياسية المعترف بها دوليًا.
اللجنة الوطنية لإدارة غزة
يرأس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعت، وتقدم بوصفها هيئة تنفيذية فلسطينية من التكنوقراط، مكلفة بإدارة الشؤون المدنية والإدارية للقطاع، والعمل على مواءمة السياسات المحلية مع التوجهات العامة الصادرة عن “مجلس السلام”، في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.
وتضم اللجنة مختصين في قطاعات حيوية تشمل الصحة والتعليم والاقتصاد والمالية والزراعة والمياه والشؤون الاجتماعية، إلى جانب ملفات الأمن والشرطة.
وأفادت مصادر محلية ووسائل إعلام فلسطينية ودولية بأن اللجنة ستضم في عضويتها عمر شمالي لملف الاتصالات وعبد الكريم عاشور (وكان سابقا مدير مؤسسة الإغاثة الزراعية) لملف الزراعة وعائد ياغي (كان سابقا مدير جمعية الإغاثة الطبية) لملف الصحة، وعائد أبو رمضان (مدير الغرفة التجارية بغزة) لملف التجارة والاقتصاد وجبر الداعور (رئيس جامعة فلسطين سابقا) لملف التعليم، وبشير الريس (استشاري هندسي ومالي) لملف المالية، وعلي برهوم لملف المياه والبلديات وهناء ترزي (محامية وناشطة مجتمعية) لملف الشؤون الاجتماعية والمرأة، وسامي نسمان لملف الأمن، وأسامة السعدواي، ملف سلطة الأراضي، وعدنان أبو وردة، ملف القضاء والعدل، وحسني المغني، ملف شؤون العشائر.
المستشارون الكبار “لمجلس السلام”
وفق البيان؛ يتولى المستشارون الكبار دوراً محورياً في قيادة الاستراتيجية العامة والإشراف على العمليات اليومية، مع مسؤولية تحويل التفويض السياسي والدبلوماسي “لمجلس السلام” إلى خطط تنفيذية منضبطة على الأرض، بما يربط بين القرار السياسي والإدارة العملية.
وعين ترامب، آريه لايتستون وجوش غروينباوم كمستشارين كبار “لمجلس السلام”.
الممثل الأعلى لغزة
يشغل نيكولاي ملادينوف منصب الممثل الأعلى لغزة، ويعمل كحلقة وصل ميدانية بين “مجلس السلام” واللجنة الوطنية لإدارة غزة، مع تكليف بتنسيق الجهود الدولية وضمان انسجام السياسات بين المستويين الدولي والمحلي.
قوة الاستقرار الدولية
تقود قوة الاستقرار الدولية مهامها الأمنية تحت رئاسة اللواء جاسبر جيفرز، وتشمل مسؤولياتها إدارة العمليات الأمنية، دعم مسارات نزع السلاح الشامل، وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية ومواد إعادة الإعمار، في إطار ترتيبات أمنية دولية مثيرة للجدل من منظور القانون الدولي والسيادة.
المجلس التنفيذي
يعمل المجلس التنفيذي كهيئة داعمة لمنظومة الحوكمة، ويهدف الى تعزيز تقديم الخدمات وتحقيق ما يوصف بالسلام والاستقرار والازدهار في قطاع غزة.
ويضم المجلس كلاً من ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، علي الثوادي (وزير الشؤون الاستراتيجية في قطر ومستشار في الديوان الأميري للشؤون الاستراتيجية) الجنرال حسن رشاد (رئيس المخابرات المصرية)، السير توني بلير، مارك روان، الوزيرة ريم الهاشيمي (زيرة دولة لشؤون التعاون الدولي في الإمارات)، نيكولاي ملادينوف، ياكير جاباي، وسيغريد كاج.
وتشير المعطيات إلى أن الإعلان عن أعضاء إضافيين في المجلس التنفيذي ومجلس غزة سيتم خلال الأسابيع المقبلة، في ظل تساؤلات حقوقية وسياسية متصاعدة حول مشروعية هذه الهياكل، وحدود تمثيلها لإرادة سكان قطاع غزة، ومدى انسجامها مع قواعد القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.


