
بين صور ثلاثية الأبعاد لمدن زجاجية وأبراج شاهقة، وواقعٍ مثقل بالركام والخيام والحصار، يتّسع الشرخ بين ما يُروَّج له دوليًا كمشاريع “أمل” لغزة، وما يعيشه الفلسطينيون فعليًا على الأرض.
هذا التناقض كان محور تقرير موسّع لشبكة NBC NEWS الأمريكية، التي تناولت بالتحليل والنقد الطرح المعروف باسم “غزة الجديدة”، في سياق إنساني وسياسي وأمني يكشف حدود هذه التصورات عندما تُطرح بمعزل عن واقع الاحتلال والدمار المستمر.
فقد استبعدت شبكة NBC NEWS الإخبارية الأمريكية إمكانية تطبيق الخطة التي طرحها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والمعروفة باسم “غزة الجديدة”، معتبرة أنها تفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية ولا تنسجم مع الحقائق السياسية والميدانية القائمة في قطاع غزة.
وقالت الشبكة في تقرير موسّع إن قطاع غزة لا يزال غارقًا في دمار واسع بعد أكثر من عامين من الغارات الإسرائيلية المتواصلة، حيث يعيش نحو مليوني فلسطيني في ظروف إنسانية قاسية، غالبيتهم داخل خيام مؤقتة، في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة على ما يقارب نصف مساحة القطاع.
وأضاف التقرير أن ما عُرض من خرائط وصور ثلاثية الأبعاد مولّدة عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، يظهر غزة المستقبلية وكأنها “مدينة من عالم آخر”، بعيدة تمامًا عن الواقع اليومي الذي يعيشه السكان، سواء من حيث انعدام الأمن، أو غياب السيادة، أو استمرار القيود العسكرية والاقتصادية.
ونقلت الشبكة عن الفلسطيني غسان الطناني، الذي فقد شقيقه في غارة إسرائيلية هذا الأسبوع، تساؤله الساخر: “أريد أن أفهم أين ما يسمى بمجلس السلام العالمي في غزة؟ أين هو؟ لقد بحثنا عنه ولم نجده”.
في المقابل، عبّر فلسطينيون آخرون عن مخاوف حقيقية من أن تنتهي مثل هذه الخطط، في حال تنفيذها، بتكريس السيطرة الإسرائيلية على القطاع تحت غطاء التنمية والاستثمار.
شكوك إسرائيلية وتحفظات قانونية
وأشارت NBC إلى أن الخطة الأمريكية نفسها تواجه شكوكًا حول إمكانية قبولها من الجانب الإسرائيلي، لا سيما أنها تتضمن إنشاء ميناء ومطار جديدين في غزة، وهو ما يتناقض مع سنوات طويلة من الحصار والتحكم الإسرائيلي الصارم بالمنافذ.
من جهتها، وصفت نومي بار يعقوب، المحامية الدولية والخبيرة في حل النزاعات، المفهوم الأولي للمجلس المشرف على إعادة تطوير غزة بأنه “غير واقعي على الإطلاق”، معتبرة أن كوشنر ينظر إلى غزة بعقلية “مطوّر عقاري” لا بعين صانع سلام.
وأضافت أن بناء هذا الكم من الأبراج الشاهقة لن يكون مقبولًا أمنيًا لدى “إسرائيل”، لأن كل مبنى مرتفع يشكّل نقطة مراقبة محتملة لقواعدها العسكرية القريبة من حدود القطاع.
تفاصيل الخطة: أرقام ضخمة وواقع غائب
وكان جاريد كوشنر قد كشف، الخميس الماضي، عن تفاصيل ما أسماه “الخطة الرئيسية لغزة الجديدة”، خلال توقيع ميثاق “مجلس السلام” على هامش منتدى دافوس العالمي، مشيرًا إلى أنها ستُنفذ على أربع مراحل، وتشمل: إنشاء ميناء ومطار جديدين، شبكة قطارات وطرق دائرية ورئيسية، ضخ استثمارات تتجاوز 25 مليار دولار بحلول عام 2035، رفع اقتصاد غزة إلى أكثر من 10 مليارات دولار، زيادة متوسط دخل الأسرة إلى 13 ألف دولار سنويًا، تحقيق “توظيف كامل” وخفض البطالة إلى صفر بالمئة.
وبحسب العرض، ستضم “رفح الجديدة” أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، و200 مركز تعليمي، و75 مركزًا طبيًا، إضافة إلى 180 منشأة ثقافية.
وقال كوشنر إن الخطة تقوم على “بعض عمليات الهدم يتبعها بناء غزة جديدة يمكن أن تكون مصدر أمل”، مشيرًا إلى أن نماذج مشابهة لمدن كبرى أُنجزت خلال ثلاث سنوات في دول بالشرق الأوسط، دون أن يسميها.
المشكلة ليست في الخرائط بل في الاحتلال
وفي تعليقه على الخطة، قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة إن الطرح الأمريكي يعكس انفصالًا كاملًا عن جوهر القضية الفلسطينية.
وأضاف في تصريح لمراسلنا أن “المشكلة في غزة لم تكن يومًا نقص الأبراج أو غياب الموانئ، بل استمرار الاحتلال والحصار وحرمان الفلسطيني من حقه في الأرض والسيادة. أي خطة تتجاهل هذه الحقائق، مهما بلغت أرقامها، ستبقى حبرًا على ورق”.
وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي لتجميل صورة مستقبل غزة لا يمكن أن يحجب واقعًا يعيشه الفلسطيني تحت القصف والاعتقال ومنع الإعمار، معتبرًا أن “إعادة الإعمار دون إنهاء الاحتلال ليست تنمية، بل إدارة أزمة طويلة الأمد”.
واقع مستمر من القتل والحصار
ورغم وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا تزال “إسرائيل” تواصل عمليات القتل والاعتقال، حيث قُتل منذ ذلك الحين 483 فلسطينيًا، فيما يستمر التضييق على إدخال المواد الغذائية والإيوائية والطبية إلى القطاع.
وبدعم أمريكي، ارتكبت “إسرائيل” منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إبادة جماعية في قطاع غزة استمرت عامين، وأسفرت عن أكثر من 71 ألف شهيد، وإصابة ما يزيد على 171 ألف فلسطيني، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية.

