تخطى إلى المحتوى

ما قبل رفح ليس كما بعدها

الكاتب د. حسين موسى

 

تتسع رقعة الوحشية الصهيونية ومستواها، في رفح وغيرها، من غزة ومخيماتها، وقد أخذت بطريقها البشر والحجر، ولم تبقي على مرفأ صحي أو مدرسة او شارع، وقد استنزفت الحرب جلّ مساحة التخطيط العسكري الصهيوني، فيما التهمت غزة كل ما يدبره معسكر العدوان.

واذا كان العدو قد روج لتغيير المعادلة القائمة قبل رفح، وهي ورقته الأخيرة التي ألقى بها، في محاولة الحصول على أي صورة لنصر عسكري، فإن الوقائع الميدانية، أثبتت تتابع الفشل والهزيمة لجيش العدو وقيادته.

واذا كان عنوان دخوله الى رفح بتنسيق مع الجوار، قد ألبسه عنوان الأسرى، وإمكانية تواجدهم في رفح، فقد دفع العدو ثمناً هم أسرى جدد، ليضيق الخناق على المشروع الصهيوني ويلقيه في غيابات المجهول.

وهو الأمر الذي دفع قوى المقاومة الى التشدد، فيما يطمع به العدو من مفاوضات، علّه يكسب بعض الوقت قبل الهزيمة الكبرى، حيث أعلنت المقاومة أنها لن تفاوض تحت النار ولن تعطي العدو الفرصة لتكرار رفح.

والعدو الصهيوني يحاول تكرار ما فعلته الإدارة الأمريكية عام 1972 في الحرب على فيتنام عندما ارتكبت المجازر الوحشية وألقت قنابل النابالم، على آلاف من الفيتناميين جنودا ومدنيين، في محاولة لتركيع قادتها وثانيهم، وجلبهم الى طاولة التفاوض حيث تملي عليهم الشروط.

وهذه النظرية هي ما تسمى نظرية إجبار الخصم وجره الى الطاولة التي وضعها الصهيوني هنري كيسنجر.

وهو ما فعلته الإدارة الأمريكية ايضا في التعامل مع القوات العراقية، التي كانت تنسحب بعد غزو الكويت في التسعينات من هذا القرن حيث أحدثت مجزرة غير مسبوقة بالقوات المنسحبة  بما يسمى خطة نورمان شوارتسكوف 1991.

ويبدو ان الادارة الصهيونية تحاول تطبيق هذه النظرية في رفح ، مستفيدة من الجنرالات الأمريكيين الذين عايشوا تلك المرحلة السوداء، حيث ارتكبت مجزرة كبيرة حرقت فيها حتى الحجر وليس فقط خيام النازحين واللاجئين التي هي أجبرتهم على التواجد بها باعتبارها منطقة آمنة.

وهنا نؤكد أن المقاومة، تدير معاركها العسكرية والسياسية والاعلامية، باحترافية عالية لم يسبق للعدو أن واجهها بتاريخه ،ولم تكن بالحسبان.

حيث تمكنت المقاومة من دفع فلسطين كقضية الى  واجهة الأحداث الدولية، وبات الخبر عن فلسطين، وغزة يحتل مساحة كبرى في تصريحات السياسيين، وتنعقد لأجله الدراسات السياسية، و يتلاقى فيها المحللون بعقد ندوات استشارية، حيث لا مناص من إدراك التغيير الذي أحدثته معارك غزة، وباتت السردية الفلسطينية، هي الأساس في رؤية مصداقية الوقائع داخل الكيان وعلى مستوى العالم.

وهذه الكرة المتدحرجة، وصلت الى الضفة الغربية، حيث عمق الكيان الصهيوني ومستوطناته، إذ توسعت المعارك ، فأصبحت المواجهة مباشرة وشاملة، عمّت العديد من المدن، رغم ضعف تسليح المقاتل في هذه المنطقة، وذلك نتيجة لوجود السلطة الفلسطينية، ودورها في التنسيق الأمني مع الكيان الصهيوني ،ووجود المستوطنات التي تقطّع أوساط الضفة ،ما يعني صعوبة التحرك، ويضاف إليه العمق العربي الذي يشكله الأردن والدور المناط به عبر اتفاقيات وادي عربة وغيرها ومهمة تجفيف مصادر السلاح.

ورغم ذلك فإن المقاومة استطاعت اختراق كل العقبات  ونفذت سلسلة مواجهات نوعية وصلت الى تل ابيب ناهيك عن جنين ونابلس وطولكرم والخليل، وقد باتت المواجهات متدحرجة في تطوير اشكالها وشموليتها، مما ستشكل ركيزة مهمة في المرحلة اللاحقة.

أمّا في الشمال حيث المقاومة الإسلامية المتلاحمة مع المقاومة الفلسطينية، فقد استطاعت إرباك الحسابات الصهيونية عبر تدحرج تطوير وإدخال تكنولوجيا جديدة، تتناسب والواقع الجديد وتغيير قواعد الاشتباك ،الأمر الذي أدى الى إخلاء العدو لمناطق تشمل مدناً واسعة، لم تعد آمنة، وتعطل الحياة فيها ،وهو ما وصل الى أطراف المدن الرئيسية مثل صفد وعكا وغيرها.

كما ان تركيز المقاومه الاسلاميه على البنى التحتية والأمنية والاستخبارية، قد أجهضت كل إمكانيات العدو في توجيه ضربة استباقية للمقاومة، أو التفكير في حرب شمولية في المنطقة، بل تركته أسير البحث عن حلول مؤقتة لمأزقه.

وهذه الجبهة تتولى شريطاً جغرافياً مهماً في قوة الردع المقاومة الناشئة.

اما في الجنوب فقد تمكنت المقاومة الإسلامية بالتعاون مع أنصار الله في اليمن، من استنزاف العدو في منطقة أم الرشراش( إيلات)، وصولاً الى حيفا، حيث لعبت المسيّرات دوراً مهماً في تغيير البعد الجيو عسكري في هذه الحرب، وبات الكيان الصهيوني مكشوفاً، اضافة الى حرمانه من الشحنات العسكرية والتجارية عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي وصولا للبحر المتوسط.

إذاً تتكامل مع غزة ، مقاومة في الشمال والجنوب والوسط  إضافة إلى معارك البحار الثلاثة(المتوسط والأحمر والهندي)

ووضع ميناء حيفا ومحيطها تحت دائرة استهداف الطائرات المسيّرة وهي من نتاج المقاومة الاسلامية العراقية التي تناور بين حيفا والبحر الميت وصولا إلى إيلات .

ان هذا التكامل مكّن المقاومة من تشكيل قوة ردع حقيقية، أذهلت الكيان الصهيوني وداعميه، وهو أمر يستنزفه في النهاية، سيما أن هذا الكيان يعتمد على المدد العسكري الخارجي وانخفاض مستوى صناعاته المحلية إلى مرتبة الصفر.

ومن هنا يجب ان ندرك اهمية ما يوفره النظام الرسمي العربي من حضن لهذا الكيان الذي إذا تُرك ،فسرعان ما يسقط، فالغرب في ظل المتغيرات السياسية الحاصلة جراء معركة غزة، بات أمام موجة معارضة شعبية وسياسية ضاغطة، قد يرفع يده عن هذا الكيان في أي لحظة، كما حدث مع الدول التي سارعت بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية وإقرار تشريعات تمنع دعما هذا الكيان عسكرياً.

اذا نحن امام حالة من الضعف غير مسبوقة، يمر بها الكيان الصهيوني ستولد هزيمته الكبرى ،وسقوط سريع لهذا المشروع إذا ما رفع النظام الرسمي العربي يده وهو أمر منوط بالقوى العربية والإسلامية، للدفع تجاه الوصول لهذه النقطة .

 

د.حسين موسى

كاتب وصحفي فلسطيني

مختص بالشؤون الفلسطينية والصهيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي

من النظام الداخلي لحركتنا فتح

القواعد والأسس التنظيمية

مقدمة هيكل البناء الثوري

أخي يا رفيق النضال
إن هذه الحركة وهذا العمل لأمانة وطنية ومسؤولية تاريخية.. فلتحمل الأمانة الغالية.. ولتقدر المسؤولية الخطيرة.. ولتهيئ كل من حولك ولتلهب روح العمل الثوري المنظم في كل نفس عربية مخلصة لفلسطين مؤمنة بتحريرها. ولنروض جميعا نفوسنا على الصبر ومواجهة الشدائد واحتمال المكاره والبذل.. والتضحية.. والفداء.. بالروح والدم.. والدم.. والجهد.. والوقت وهذه كلها من أسلحة الثوار.

لذلك.. لا تقف يا أخي!!
وفي هدوء العاملين.. وصمت المخلصين وفي عزم الثوار.. وتصميم المؤمنين.. وصبر المكافحين.. انطلق سريعا لأن شعبنا بحاجة لكل لحظة من الزمن بعد أن امتدت مأساتنا هذه السنين الطوال. ولتعلم أن عدونا قوي.. والمعركة ضارية ليست قصيرة.. وأن العزم.. والصبر والسرية والكتمان والالتزام بأهداف الثورة ومبادئها يحفظ خطوتنا من الزلل والتعثر ويقصر الطريق إلى النصر.. فإلى الأمام .. إلى الثورة.. وعاشت فلسطين حرة عربية “فتح”

اقرأ المزيد